حوار مع الكاتبة العراقية حوراء النداوي

حوراء النداوي
في هذا الحوار تفتح لنا الروائية العراقية الشابة حوراء النداوي قلبها لتجيبنا عن بعض الأسئلة الخاصة بحياتها في المهجر و في الدنمارك تحديدا و تحدثنا عن عملها الروائي الأول “تحت سماء كوبنهاغن”.. أتمنى أن تستمتعو بالحوار :).

حوراء النداوي هي من كتاب المهجر الشباب الذين عاشوا في غير أوطانهم الأم، كيف حملت حوراء هم الكتابة في مجتمع تختلف معه ثقافيا و لغويا و تاريخيا؟.

ـ لم تكن اللغة أو الثقافة المختلفة عائقاً أمامي أبدا، ففي عمر الست سنوات حين هاجرت من العراق كنت أحمل معي لغتين و ثقافتين، بحكم أن والديّ من قوميتين مختلفتين.. و رغم أنني نشأت في منزل نتحدث فيه أكثر من ثلاث لغات إلا أن اللغة العربية كانت الأساسية لدينا، و كانت أيام الآحاد عادة مخصصة لقراءة الشعر و الأدب و تدارسه.. مع الوقت انتقل هذا الشغف و الاهتمام باللغة لي بشكل كبير فصارت مرتبطة بالهوية و الوطن، و لم تعد مجرد وسيلة تواصل أو لغة إضافية أخزنها في أدراج الذاكرة و أهملها.. تعاملت مع العربية كاهتمام و هواية، فمثلما كان لبعض أقراني اهتمامات كالموسيقى و الرياضة و الرسم و غيرها من الهوايات كانت اللغة و ما يدور في فلكها هوايتي و بالنتيجة الكتابة أيضا..

تحت سماء كوبنهاغن

غلاف رواية تحت سماء كوبنهاغن

في رواية “تحت سماء كوبنهاغنألقيت الضوء على عراقيي الدنمارك الذين فروا من النظام البعثي، و لكونك تنتمين لذلك الجيل الذي نشأ هناك بعيدا عن العراق، كيف ترين علاقة المهاجر العراقي اليوم بالعراق بعد أن أصبح له وطنُ ثاني؟.

ـ في التسعينات و نهاية الثمانينات كان معظم العراقيين في المهجر إذا لم نقل كلهم قد فروا من ظلم و ملاحقة النظام السابق و ذكرت في لقاء سابق أن أسرتي أغلبها من السجناء السياسيين.. من الطبيعي أن تختلف علاقة المهاجر الفار من الظلم مع الغربة مقارنة بالمهاجر الذي سعى للهجرة بحثاً عن لقمة العيش.. فالأول يرتبط غالباً بقضية و الثاني يعامل الغربة بعفوية أكثر.. و بشكل عام علاقة المهاجر مع الوطن تكون مختلفة و متفاوتة و من السهل جداً أن يجرفه البلد الذي هاجر إليه إذا ما قطعت عليه أصر التواصل مع الداخل.. الجيل المهاجر الذي انتمي له لم ير العراق و لا يعرف عنه إلا ما ينقله له الأهل و مجتمع الجالية العراقية حيث يتواجد.. المسؤولية هنا تقع على عاتق الناقل فهو الذي سيحدد للمهاجر الصغير علاقته مع وطنه.. فترى البعض من جيلي يعرف شوارع بغداد و تفاصيل الحياة فيها دون أن يكون قد زار العراق، و البعض الأخر لا يحمل من العراق غير ملامح الوجه، الأمر هنا منوط بالناقل بسلامة نيته و خلوه من العقد و مدى حبه لوطنه و حرصه على النقل..

لم تخل روايتك من السياسة بما أنه تقريبا جميع العراقيين بالرواية هم لاجئون من النظام العراقي الذي سبق الاحتلال الأمريكي، هل ترين أن الأنظمة العربية تسببت في خلق معنى جديد للوطن الأم لأبناء اللاجئين الذين تربوا في غير ذلك الوطن؟

ـ العراقي شاء أم أبى متورط في السياسة، و من الطبيعي أن تجد في الرواية إشارات سياسية حتى و إن لم تكن مقصودة.. و نحن لم نكن سواحاً في المهجر، مشكلتنا كانت مع النظام السابق و لولا قسوته لما تركنا وطننا بحثاً عن ملجأ آخر.. هذه الأيام تمر الذكرى العاشرة على زوال الحكم الصدامي، لكن قضيتنا لم تنته بعد.. هناك مسؤولية التذكير ببشاعة ذلك النظام و بطشه و مسؤولية إرجاع الحقوق المسلوبة و غيرها من التركات الهائلة التي خلفها النظام البعثي.. شخصياً و بالمقارنة لم أعان ما عاناه العراقيون في الداخل لكن الوطن المسلوب منذ الطفولة و معاناة الاغتراب التي فرضت فرضاً سيبقى جرحها أبدا..

يعبر رافد في روايتك عن نفسه بالقول “حقا.. لم أتوقع أكثر من إشباع جزئي لفضولي النسائي، فأنا لست مبالغا حد الطمع بإشباع تام.. فبحثي في ما وراء عالم الأنوثة يعد هوايتي الأكثر متعة، و سري الذي لا أحلم بفضحه”. متأكد من أنه تقريبا جميع الرجال لديهم نفس الفضول، كيف استطاعت حوراء الأنثى استشفاف هذا الشعور الذكوري؟

ـ كثيراً ما يطرح عليّ هذا السؤال، و لا أجد الأمر معقداً إلى هذا الحد.. الرجل بشكل عام ليس صعب الفهم على المرأة، سيما فيما يخصها.. ثم إن رافد في النهاية شخصية صنعتها أنا و من الطبيعي أن املك مفاتيحها جميعاً، و خريطته مهما كانت معقدة وضعتها بنفسي، فكان سهلاً أن أدرك متاهاتها شأنها شأن بقية الشخصيات في الرواية..

من خلال شخصية “هدى” في الرواية تعرفنا على ما يعيشه أبناء المهاجرين العرب من تجاذبات و صراعات نفسية و اجتماعية، هل أسقطتِ على هدى شخصيتك كابنة مهاجر عراقي، و إن كان ذلك قد حدث، هل تحسّين أنك عبرت عن حقيقة ما يشعر به المنتمي الجديد لوطن قد لا يَعتبره الآخرون وطنه؟.

ـ هذا أمر طبيعي فانا أعيش في المهجر منذ أكثر من عشرين عاماً طفولتي و مراهقتي و المدارس التي درست فيها و الصداقات التي صنعتها كلها كانت في المهجر.. لكنني لست المهاجرة الوحيدة التي اعرف، لدي أصدقاء و معارف كثر من خلفيات متعددة و كلهم يعاركون الغربة بطرق مختلفة و كانوا إلهاما حقيقياً للرواية.. شخصية هدى الناقمة على الوطن الأم الذي ترى أنه نبذها مثلاً لا تشبهني فانا شخصياً لم أعش إحساسا كهذا تجاه العراق و كان ارتباطي به جلياً وواضحاً لكل من يعرفني.. حاولت على قدر استطاعتي أن أنقل ما أراه و أسمعه ممن حولي، و رافقني إحساس بالمسؤولية و إحساس صادق بالنقل.. أغلب أقراني و أصدقائي من العراقيين لا يقرؤون العربية علي نحو جيد بل إن صديقاتي المقربات مثلاً لم يقرأن روايتي حتى الآن و ينتظرنها مترجمة.. كنت أشعر بمسؤولية مضاعفة تجاه مشاعر و أسلوب حياة هؤلاء الذي أنقله لقارئ عربي يرتدي ملابسه الوطنية و يجلس مسترخياً في منزله ليقرأ عن هؤلاء المغتربين الذين قد تزعجه ألسنتهم الملتوية إذا ما صادفهم يوماً.. و أعلم أن هذا الكتاب إذا ما كان جيداً سيشكل فرقاً في حكم هذا القارئ على هذه الفئة من الناس..

جمالية اللغة في روايتك تفرض سحرها على القارئ، كيف استطاعت حوراء أن تشغل تلك الجمالية على الرغم من نشأتها في بلد قد لا تعنيه اللغة العربية من قريب؟

ـ المعروف أن العراقيين بشكل عام يفضلون الشعر على سائر الأصناف الأدبية الأخرى.. أغلب أدباء العراق يبدءون شعراء ثم يتحولون إلى الرواية أو القصة و خلافه.. تربيت على قراءة الشعر و ارتبطت بالمتنبي تحديداً منذ سن الحادية عشرة حين كان والدي يقرأ عليّ قصيدة و يشرحها لي كل يوم أحد، و كنت أبقى أردد القصيدة طوال الأسبوع حتى أحفظها.. حين بدأت اختار قراءاتي بنفسي كان وعيي الأدبي قد ارتبط بالشعر حتى قبل أن يرتبط بالرواية، لكنني و بتوفيق ما كنت اعلم أنني لن أكون شاعرة.. لعل ما تقصده من جمالية هنا يعود تأثيره لتلك الفترة..

الكتابة أحيانا قد تتعدى التعبير عن النفس إلى خلق مفاهيم جديدة للأشياء، هل تظنين أنه من خلال ما كتبته عن تجربة الاغتراب في الدنمارك أنك أعطيت لمعنى الهجرة القسرية مفهوم جديد يحتوي مفهوم الحنين للوطن و يتعداه إلى تشكيل وعي ذاتي مرتبط بوطن جديد؟.

ـ الرواية قدمت صوتين اغترابيين.. رافد القادم من العراق و الذي تشكل وعيه و شخصيته فيه قبل الهجرة و هدى المولودة في الدنمارك.. هدى كانت تتعامل مع الغربة كواقع و ليس كخيار، هي أكثر إحساسا و تفاعلاً مع الوطن الجديد من رافد.. فرغم ملامحها العربية و لغتها الإضافية هي ما تزال نصف دنماركية.. بالنسبة لرافد الأمر مختلف فهو عراقي يحاول التأقلم مع واقع اغترابي سعى إليه بنفسه، قد تجد أمثال رافد يحاولون النأي بأنفسهم عن مجتمع المهجر أو العكس حيث يتناسون ماضيهم و أصولهم و يرتموا في أحضان الوطن الجديد.. كان مهماً بالنسبة لي و أنا اكتب الرواية أن أقدم هذين الصوتين لكي يميز القارئ العربي بينهما..

تحت سماء كوبنهاغن” أولى أعمالك الروائية وقد أخذت لدى صدورها صدى واسعا خصوصا في العراق و قد رشحت عام 2011 ضمن القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية. هل هناك سر معين وراء هذا النجاح البارز؟.

ـ في الحقيقة الأمر على العكس من ذلك، لم أجد لروايتي صدى قوياً في العراق تحديداً.. أغلب القراء الذين يتفاعلون معي و أتابع اهتمامهم بالكتاب من دول عربية مختلفة.. الوسط الثقافي في العراق اطلع على روايتي لكن القارئ العراقي العادي لعله لم يسمع بها بعد.. أظن أن سر نجاح الرواية يكمن في كونها قد قدمت الاغتراب من وجهة نظر الجيل الثاني و باللغة العربية.. هناك كتب و روايات عديدة الفت من قبل الجيل الثاني و الثالث في دول المهجر لكنها دائماً ما تأتي بلغة البلد المهاجر إليه و ليس باللغة الأم..

كل كاتب لابد و أنه تأثر بأسلوب كاتب معين أو مجموعة من الكتاب، هل من كتاب معينين تأثرت حوراء النداوي بأساليبهم في الكتابة، و عملت على ترسيخها في روايتها؟

ـ صدقاً لا أعرف إن كنت قد تأثرت بأسلوب كاتب محدد، و حتى و إن كنت تأثرت بعمل و أو بأسلوب ما، إلا أنني حين أكتب ألقي بكل ما قرأت و تعلمت خلف ظهري و لا ألتزم إلا بما يمليه علي النص..

قلتِ في إحدى الحوارات التي أجريت معك سابقا أن لديك الكثير لتقوليه و لا تكفي رواية واحدة أو عمل واحد للتعبير عن ما عشته و تعيشينه، يجعلنا ذلك نتفاءل بعمل جديد و يدفعنا الفضول لنستشف منك ما قد يكون؟

ـ كل ما شرعت في قصة أو فكرة جديدة أدرك أن عملاً واحداً لن يكفيني.. لكنني لا استعجل النشر واعمل بصمت..عادة لا أفضل حصر نفسي في مواضيع متشابهة، فانا ملولة و أحب التجديد لأنه يخلق لي شخصيات و أبطال مختلفين على الدوام.. أبحث دائماً عن الجديد الذي سأضيفه و إذا ما أثار اهتمامي موضوع ما و أدركت أن كاتباً قد تناوله بطريقة جيدة تجعلني اشعر بان لا حاجة لإضافة المزيد من قبلي، سأتركه لأبحث عن آخر ببساطة.. لا أحبذ أن أهدر طاقتي في التكرار..

كلمة أخيرة لقرائك

ـ هناك واقع جميل نعيشه اليوم و هو التواصل و تقريب البعيد عبر الشبكة.. أنا سعيدة جداً بتواصل القراء معي و متابعتهم لي و اشكرهم جميعاً..

نشر الحوار كذلك على جريدة المقام الجزائرية  هنا

Advertisements

الأحلام بين العلم والعقيدة

أنهيت كتاب علي الوردي الأحلام بين العلم والعقيدة والذي وصلني هدية مع كتاب آخر من مدونة أكثر من حياة .

علي الوردي عالم اجتماع عراقي، صاحب أسلوب متميز ويظهر هذا جليا في موضوعات كتبه وعناوينها ( مهزلة العقل البشري، وعاظ السلاطين، خوارق اللاشعور، أسطورة الأدب الرفيع… )

في هذا الكتاب يتحدث الوردي عن الأحلام وأثرها على الفرد والمجتمع ويتبع ذلك بملاحق عن العقل البشري ومهزلته، عن الممكن والمستحيل، عن الحاسة السادسة، عن الاشعور، عن العبقرية والجنون . هذه المفاهيم ترتبط بطريقة أو بأخرى بالأحلام من وجهة نظر الكاتب . حين تقرأ الكتاب تأكد من أنك ستخرج بأفكار مغايرة بمتعة كبيرة ومعرفة قيمة ، الوردي بأسلوبه البسيط يعرض عليك نظريات عديدة وقد يؤيدها أو يفندها بحجج منطقية وبطريقة علمية مشككة قد توصلك لليقين في آخر المطاف.

بعد المقدمة ، يأتي القسم الأول الذي يتحدث فيه الكاتب عن أراء القدماء في الأحلام ثم أراء المسلمين فيها وعن أثرها في المجتمع وتأثيرها على العقائد الاسلامية . يقول الوردي أن أغلب المجتمعات الأولى تقدس الأحلام، والمسلمون لا يختلفون في ذلك فهم أيضا يقدسون الأحلام يهتمون بها وبتفسيرها وإسقاط ذلك على حياتهم، الأحلام بالنسبة لهم هي البشرى والرؤيا الصالحة والنبؤة . كيف لا والأحلام تعد جزءا مهما من حياة أنبيائنا، سيدنا يوسف عليه السلام مثلا.

في القسم الثاني من الكتاب يتناول الوردي الأراء الحديثة في الأحلام وحين نتحدث عن الأحلام وعن الأراء الحديثة لابد أن نتطرق لفرويد، تحدث عن نظرياته :تأثيرها وعيوبها.. تحدث أيضا عن العقل الباطن، أحلام اليقظة عن التنويم المغناطيسي، عن الأحلام الكيشوتية نسبة لدون كيشوت.

في القسم الأخير يتحدث عن العلم وخوارق الأحلام : عن تنبؤات الأحلام ، عن الأحلام والزمن، عن أحلام التنويم المغناطيسي ، عن عبقرية الأحلام.

ثم تأتي أخيرا الملاحق  في النصف الثاني للكتاب. طبعا لم أوف الكتاب حقه ولم أتحدث عن الأفكار التي شدتني، كل فكرة تبعث على النقاش والتحدث طويلا. لنقل أنه أول كتاب  أخطط على صفحاته بقلم أزرق ، عادة أخط بالقلم الملون على الاقتباسات التي تعجبني لكن هذه المرة دفعني الكاتب أن أسجل أفكاري على صفحات كتابه.

هناك كلام جميل عن الغوغاء بعض ما نراه حاليا ويعتبر ثورة الشعب : ” أشار علي بن أبي طالب قبل مئات السنين، حيث قال عن الغوغاء إنهم همج رعاع ينعقون مع كل ناعق ويميلون مع كل ريح وقال عنهم كذلك أنهم إذا اجتمعوا ضروا وإذا تفرقوا نفعوا”

“جيء إلى الإمام علي بن أبي طالب، في يوم من أيام خلافته برجل اقترف ذنبا. وكان الرجل محاطا بجماعةمن الغوغاء يهرجون حوله ويحاولن الاعتداء عليه. فصاح فيهم الإمام قائلا: لا مرحبا بوجوه لا ترى إلا عند كل سوأة “

 ما كتبته في الغودريدز أثناء قرائتي الكتاب :

مستمتعة جدا بالكتاب رغم أني أحس أحيانا أن الأسلوب بسيط حد السذاجة. أعجبني جدا الجزء الذي يتحدث فيه عن الزمن وكيف أنه بعد رابع.. أيضا عن الزمن والأحلام ونظرية المستر دان .. ما يفسد متعتي القراءة المتقطعة و المتباعدة”

أثار الوردي إعجابي في إلمامه ببعض مفاهيم الفيزياء ، حديثه عن الأشعة الكهروطيسية والسينية ونقده لآراء تيرل

جميل ما كتبه عن الحاسة السابعة موضوعي المفضل في المسلسلات الأمريكية التي أتابعها غالبا.. أعجبني أيضا مثال مادة الفسفور التي تخزن الأشعة إذا تم تعريضها للضوء ثم تشع إذا وضعت في الظلام

لتحميل الكتاب

أحببتك أكثر مما ينبغي

أحببتك أكثر مما ينبغي

أتعبتني هذه الرواية بما حملته من مشاعر طاغية في الحب .. أكثر ما أعجبني فيها هو أسلوب الكاتبة السردي، يجعلك الأسلوب تغرق في القراءة و تنهم من الحروف مالا تشبع منه.. لكن رغم ذلك القصة التي احتوتها الرواية لا تحمل في طياتها الكثير من العمق، تفتقر إلى الأحداث التي تصنع مشاهد حماسية… تحمست بداية و أنا أقرأها لكن بعد قرائتي لما يزيد عن المائتي صفحة تسرب الملل إلى داخلي، و بدأت بقراءة الصفحات بعيني فقط، أهملت التركيز في القراءة، رغم ذلك بقيت محافظا على فهم المغزى العام مما كان يجري بين بطلي القصة جمان و عزيز.

قد يوحي عنوان الرواية “أحببتك أكثر مما ينبغي” أن جمان الشخصية البطلة و الراوي في نفس الوقت أحبت عزيز زيادة عن اللزوم, أو أنها أحبته كما لم تحب أي امرأة أخرى، و لكن هذا غير صحيح.  فالحب واحد و إن تعددت أشكاله، و ما جاء زيادة عن اللزوم هو مخلفات ذلك الحب و ليس الحب نفسه، جمانة أحبت عزيزا حبا طاهرا و نقيا لكنه كان حبا مهووسا و كانت على غير شخصية بعض من يحبون تماما. ربما صلح أن نسمي ما عانت منه جمان بحالة مرضية شأنها في ذلك شأن عزيز، حبا أدخل الإثنين متاهة تقلبات نفسية شتة، أتت ما بين الهوس و المهانة و الذل و الشعور بعدم الرضى الداخلي و السخط و الإحساس بتأنيب الضمير و غيرها من المشاعر التي خلقها “حب” بين طرفين اثنين.

أعترف أن أثير استطاعت أن تخلق شخصيتين معقدتين قد نظن في لحظة ما أنهما أبسط مما قد تكونان عليه، لكن أثير و إن كانت أعطت لبطلتها فسحة الحديث عن نفسها تصل حد الثرثرة بعض الأحيان إلا أنها زرعت في بعض مواطن حديثها تحليل لشخصيتها هي (أي شخصية البطلة) و شخصية عزيز. هذا لا يعني أنها أفلحت في تحليل الشخصيتين بل تركت الباب مفتوحا للقارئ ليحلل كما يشاء.

نهاية القصة فاجأتني و لم تفاجأني، فاجأتني لأني انتظرت أن تكون حزينة بشكل ما، و لم تفعل لأنها النهاية المتوقعة.. حب بهذا الصخب و الغموض لا تصلح له سوى نهاية معلقة كما وصفتها جمان بقولها لعزيز (تركتني معلقة بين الأرض و السماء)  عملت أثير بذكاء على أن تترك حب البطلين معلقا من دون أن يتخلصا من تبعاته و آثاره.

اقتباس:

في عرفنا الشرقي.. دائما ما يرتبط الانفصال بمأساة، لا نجيد الانفصال برقي.. لا ننفصل بسلام.

السعادة ماهي إلا فاصل زمني يفصل الحزن عن الحزن الآخر 

عن أثير عبد الله النشمي:

كاتبة سعودية شابة من مواليد العام 1984 بالرياض بالسعودية، أنتجت عملين روائيين، أحببتك أكثر مما ينبغي (2009)، في ديسمبر تنتهي كل الأحلام (2011)..

حساب الكاتبة على تويتر

بطاقة الرواية:

العنوان: أحببتك أكثر مما ينبغي

الكاتب: أثير عبد الله النشمي

أول طبعة: 2009

الناشر: الفارابي

الرواية على غودريدز

أحمد حلمي، 28 حرف

28 حرف

رفعت سقف توقعاتي عاليا بشأن هذا الكتاب، و لو كنت أعرف أنه لا يستحق ذلك ما منحته كل ذلك الإهتمام قبل قرائته. لا أنكر أن عملية تسويقه فعلت فعلها في و جعلتني أنتظر منه الكثير، ربما أكون ظلمته إن فعلت أو ربما لا، ربما خيب أحمد حلمي  أملي ( أو آمال الكثيرين)، فأن يتجه ممثل مشهور يتقن دوره خلف الكاميرا إلى التأليف و مزاحمة الكتاب في مجالهم فسيكون ذلك لا محالة ثقة كبيرة منه بما يقدمه من منتج. وما قدمه أحمد حلمي في هذا المؤلف 28 حرف لم يرقى إلى مستوى شهرته الفنية.. رغم ذلك لا أنكر أن كتابات أحمد حلمي تعبر عن شخصيته المرحة الكوميدية و ربما لهذا فقط يمكنني القول عن  الكتاب أنه جاء (مهضوم) على قول إخواننا المصريين لكنه ليس عميقا كفاية، كنت أنتظر أن أطلع على كتاب له بعد مصبوغ بشخصية الكاتب، كتاب بأفكار قيمة تستحق أن يكتب عنها الآخرون و يتداولونها لكن ذلك لم يحصل للأسف .. على فكرة من الأمور لم أحببها في هذا العمل هو كون جزء كبير منه جاء بالعامية المصرية، طبعا العامية ليست عيب، لكن أن تكون طاغية فهذا يجعل من الكتاب محصورا على جهة معينة فقط جون غيرها.

اقتباس من الكتاب:

“(يوم ذكرى ميلادك ابقى فكر قبل ماتطفى الشمع انت عملت ايه السنه اللى فاتت لو لاقيت عمايلك بيضاء زود شمعه على شمع سنينك اللى انت حاططها فى تورته عمرك هتعرف ان عمرك زاد سنه مفيده .. اما بقى لو لقيت نفسك مش مفيد ولا مهم علطول شيل من شمع سنينك شمعة نقص من عمرك سنه عدت من غير ما تعمل فيها اى حاجه مهمه ساعتها لازم تعرف ان عمرك نقص سنه وكل سنه هينقص سنه) .. عيد ميلادى ..
(عارف لما تشوف الصبح بيطلع وانت قاعد .. لما تلاقى قلبك بيدق وانت بارد .. او تنام وانت شارد .. وتبكى وانت ساكت)”

 

عن أحمد حلمي:

ممثل مصري ولد عام 1977، كانت بدايته من خلال تقديمه لبرنامج تلفزيوني بعنوان “لعب عيال” اشتهر فيه لينتقل الى التمثيل السينمائي الذي أجاده من خلال آدائه لمجموعة من الأفلام الكوميدية.

بطاقة:

العنوان: 28 حرف

الكاتب: أحمد حلمي

الناشر: دار الشروق

عدد الصفحات: 152

الكتاب على غودريدز (يمكن تحميل الكتاب من الموقع)

ليلة الدخلة

ليلة الدخلة

ليلة الدخلة هي تلك الليلة التي ينتظرها كل عريسين بفارغ الصبر، ليلة واحدة تشكل ذروة السعادة الزوجية، لكن في هذه الرواية القصيرة التي صدرت على شكل كتاب الكتروني طرف واحد من الطرفين الزوج و الزوجة لم يحدد بعد موقفه منها، أن تكون هذه الليلة هي مدخل تلك الحياة الطويلة رفقة الجزء الآخر، أن تعني بشكل من الأشكال الارتباط الروحي و الجسدي الذي يمثل شرطا من شروط الزواج.

ينتقل بنا محمد سيد رشوان الكاتب الشاب إلى الغرفة الزوجية ليلة الدخلة لينقل لنا بعدسة مقربة ما يمكن أن يحدث بين زوجين ارتبطا حديثا إذا كان أحدهما لم يقرر بعد موقفه ليس من ليلة الدخلة و فقط و إنما من الزواج بأكمله. مريم الفتاة الهادئة الخجولة التي يشكل لها الخجل حالة قد تكون مرضية في أحوال كهذه. لا تفهم كيف أن هذا الشاب الذي أمامها الآن يطالبها بأن تستعد.. تستعد لماذا؟، وهي التي لا تدري كيف أنها هنا و أن هذا الذي معها في غرفة واحدة هو زوجها الذي ستراه كل يوم و ليلة، ستحييه في الصباح وهو ذاهب إلى عمله، ستطبخ له طعام الإفطار و تتجول معه على الكورنيش كل مساء.

مريم التي جعلها خجلها و انعزالها عن الناس تصنع لنفسها شخصية زوج أسطورية كتلك التي في القصص تأتي من بعيد على حصان أبيض تطلب يدها و تسافر بها عبر الأزمان. هذه الحالة و إن لم تكن واقعية إلى حد ما تجعلها ترفض مبدئيا أن تستعد، تستعد للدخلة و أن تكون هي العروس التي أشد ما تفرح في هذه الليلة في أحضان زوجها.

الرواية متبوعة برسومات جميلة هذه إحداها

الرواية متبوعة برسومات جميلة هذه إحداها

أحمد الزوج الشاب الذي يتزوج بطريقة عادية من مريم متفهم إلى حد كبير، استغربت كيف أنه متفهم لتلك الدرجة، و أنه رغم معارضة مريم لتكون ليلة الدخلة هي ليلتهما الزوجية التي يرتبط فيها كل جزء منهما بالجزء الآخر يتفهمها و يعمل على شرح موقفه من الأمر كله، من كونه قد فرض عليها، و أنها يجب أن ترضى به. كان ذلك باب الدخول إلى قلب تلك الفتاة الخجولة و إخراجها من حالة الانعزال الذي عاشته.

في أزيد من 70 صفحة ينقل لنا محمد سيد رشوان العلاقة ما بين الزوجين الجديدين، الأيام التي تلي يوم الدخلة و التقارب ما بين مريم و أحمد.. لينهي الرواية بحبكة جميلة حين يتأثر أحمد بما يقوله له بعض أصدقائه من أن بعض الزوجات الجديدات واقعات في حب أشخاص آخرين غير أزواجهم.. أحمد الذي صبر على مريم وقت طويل تأثر كثيرا بهذا الكلام و  يعود للبيت فيعامل مريم على غير ما تعود أن يعاملها بحب و لطف و تفهم و محاولته للتقرب منها، مريم التي كانت في درجة من التأثر بأحمد حتى ربطت بينه و بين الشخصية الأسطورية التي تتمناها أرادت أخيرا أن تعلن لزوجها حبها، لكنها تجد الأخير و قد تبدل معها… هنا ظننت أن الأمر انتهى و أن تجربة الزواج فشلت على الرغم من سوء الفهم البسيط الذي وقع.. لكن الكاتب سرعان ما يلعب بمشاعر القارئ و يمنح كلا الزوجين مهلة من الوقت كي يهدئا لتعلن مريم لزوجها عن حبها و يتخلى هو عن الفكرة السيئة التي راودته.. و يصنعان ليلة دخلة جديدة.

بطاقة الرواية:

العنوان: ليلة الدخلة

الكاتب: محمد سيد رشوان

عدد الصفحات: 73

الرواية على غودريدز

لتحميل الرواية

الظل الأبيض، عادل خزام

الظل الابيض

الظل الأبيض، رواية روحانية تأملية بامتياز, و أنا أقرأها لم أحدد إن كان يجب أن أقرأها بمنظار الرواية أم بمنظار كتاب تأملي استناري. في بعض الأجزاء و حين يستطرد الكاتب الإماراتي عادل خزام في وصف حالات التأمل التي يغرق فيها بطل الرواية إبراهيم أنسى أن ما أقرأه هو رواية و أن ما أتلقاه هو شكل من أشكال الأحداث التي دفعت بإبراهيم بطل الرواية إلى أن يترك عمله و يتحرر من قيود وظيفته بحكومة دبي الإلكترونية و يلتجأ إلى رحلة الإستنارة للتخلص من الحياة الرتيبة الى كان يعيشها.  و إن كان مصطلح لجوء لا يعبر بالضرورة على أن ابراهيم كان مثال تجربة لصاحبة الظل الأبيض التي انتشلته مما كان يعيش فيه.

إبراهيم  رجل في بداية الأربعينيات من عمره يتخلى فجأة عن وظيفة عمل بها لمدة سنوات عدة، حياته  الرتيبة و المملة وصلت لنقطة ستغيرها رأسا على عقب بعد أن تعثر عليه سيدة الظل الأبيض كما يسميها و التي تقوم بانتشاله من تلك الرتابة و تدخله تجربة تأملية يقوم على إثرها يتأمل حياته من جديد. يتأمل الكون حوله و يبحث عن حقيقة وجوده. زوجها برهان المعلم المستنير كان هو الآخر معينا لإبراهيم كي يبحث عن ذاته داخله لا في العالم الخارجي الذي يعج بالفوضى. بعد أن يتخطى ابراهيم امتحان تأمل الذات، فجأة يموت برهان، زوج سيدة الظل الأبيض الذي ترك لإبراهيم قبل رحيله إلى إندونيسيا و قبيل وفاته هناك مجموعة من الأوراق التي تحمل تأملاته و خواطره عن الحياة و الموت. يقرر إبراهيم بعد الفاجعة أن يسافر و سيدة الظل “نور” إلى إندونيسيا حيث مات زوجها هناك.. في إندونيسيا تقرر السيدة أن تعمل على أحد المشاريع التي كان يريد برهان أن يعمل عليها و هو تأسيس مركز للتنوير و التأمل.. إبراهيم الذي يساعد سيدة الظل الأبيض على إنجاز مشروعها يقف بين شعورين غريبين.. أن يتبع حلم سيدة الظل التي سكنته أول مرة رأى ظلها الأبيض ليلا أو أن يتبع طريقه الخاص بعد أن اكتشف ذاته.. يختار الطريق الثاني و يعود إلى دبي التي انطلق منها أول الأمر. هناك حيث يغرق في التأمل من جديد عن طريق تمارين الاستنارة التي تعلهما من الزوجين. يبقى على هذه الحال وقتا من الزمن قبل أن يصل إلى مسامعه أن انفجارا حل بالمركز الذي تديره سيدة الظل الأبيض نور. يقرر السفر إلى إندونيسيا و البحث عنها، لكنه لا يجد سوى ذكراها.. في دير بعيد في جاكرتا يعتزل إبراهيم، الدير الذي قالت له عنه نور سيدة الظل الأبيض أنها تتمنى أن تعتزل فيه يوما وأنه إن افتقدها فسيجدها هناك. أربعون ليلة قضاها في التأمل و الاستنارة أصبح بعدها حكيما بين مجموعة كبيرة من المتنورين. لكن خيال سيدة الظل لم يبارحه.. لكي يتخلص منه، اتجه إلى قمة الجبل، حمل حجرا سمّاه نور و رماه من الأعلى لعله يأخذ معه خيال نور الذي سكنه طويلا.. عاد إلى الدير بعد أن اختفى الحمل الثقيل من على كتفيه.. بعد أن اكتسى ظله لونا أبيض.

سعدت لأني اكتشفت الأدب الإماراتي مع هذا الكاتب الشاعر، على أن عادل خزام الذي قدم لنا رواية من جانب لم يعمل عليه الكثير من الروائيين من قبل إلا أنه ربما أغفل التعمق في شخصيات الرواية أكثر.. الروابط التي تجمعها مع بعضها البعض و الأحداث التي تصنع الفوارق ما بينها و تحيلنا إلى الاستمتاع برواية نابضة بالعمق و الحياة. فكل ما تقرأه هو عن التأمل و الاستنارة من غير أن تشعر بمتانة تلك العلاقة ما بين إبراهيم ونور أو برهان، ربما كان لذلك تفسير واحد و هو أن الرواية إنما تقوم على التأمل، التأمل الذي يبقي الارتباط بعيدا…

ملاحظة: لم يعجبني تصميم الغلاق، لا أحب الأغلفة التي يأتي عليها وجه الروائب أو الكاتب لأنني دوما بلا شعور أربط ما بين وجه بطل الرواية ووجه الكاتب، و لكم أن تتخيلو كيف أن وجه عادل خزام ارتبط ارتباطا بوجه إبراهيم.

بطاقة الرواية:

العنوان: الظل الأبيض

الكاتب: عادل خزام

تاريخ النشر: 2013

الناشر: مجلة دبي الثقافية

الرواية على غودريدز

 

 

 

خلوة الغلبان، إبراهيم أصلان

خلوة الغلبان

“خلوة الغلبان” هو ثاني عمل أقرأه للكاتب الكبير إبراهيم أصلان، أو العم أصلان كما يحب الجميع أن يناديه .. أسلوب هذا الكاتب آسر. يشبه جدا أسلوب الكاتب الكبير نجيب محفوظ و الذي يعد من بين الكتاب الذين تأثر بهم أصلان و كانت له معه حكايات عدة يدرج البعض منها في هذا الكتاب الذي يحوي مجموعة من المقالات الأدبية و القصص التي نشرت في مراحل متفرقة من عمره.

و أنا أقرأ هذا الكتاب قرأت عن حياة إبراهيم اصلان و عرفت أنه توفي في شهر يناير من العام الماضي ولم أكن قبلا  قد عرفت ذلك حين قرأت له “شيء من هذا القبيل”.  هزني حقا أن أطلع على حقيقة أن الكاتب الذي كنت أحسبه موجودا في مكان ما في هذا العالم و أنا أستمتع بكتاباته قد رحل عن هاهنا، شعرت بحزن داخلي.. العم أصلان الذي عشت معه حكاياته التي يرويها بأسلوبه البسيط المحبب رحل عن الدنيا و لم يبق لنا منه سوى كتاباته عن حياته في حي إمبابة بالقاهرة و سفرياته المختلفة لمناطق عدة داخل مصر و خارجها و الأحداث الطريفة التي عايشها و التي تنبأ عن شخصية اجتماعية قلما وجد لها مثيل.

أعجبتني الشخصيات في حكايا إبراهيم أصلان، شخصيانت واقعية لها طابعها الخاص، سواءا كانت تلك الشخصيات جيدة أو سيئة و نادرا ما تكون كذلك فأنت ستحبها، ستحبها بالأسلوب الذي يحكي به إبراهيم و لن تمل من اغتراف المزيد من ما تعيشه و ما عايشته، أرواح جميلة تنطبع مواصفاتها وفقا لروح أصلان الطيبة التي ترى الأشياء من حولها و قد عمها الطيب. أحببت حقا هذا الكاتب كما أتمنى أن تحبوه، بعد أن تقرأوا له طبعا :).

إبراهيم أصلان

 

عن إبراهيم أصلان:

ولد في محافظة الغربية بمصر في شهر مارس من العام ، تربى بالقاهرة بحي إمبابة الشهير الذي يتجلى في أبرز أعماله. 1935 يعد ابراهيم أصلان من أبرز كتاب

جيل “الستينات” في مصر. لاقت أعماله القصصية ترحيبا كبيرا عندما نشرت في أواخر السيتينات وكان أولها مجموعة “بحيره المساء” وتوالت الأعمال بعد ذلك إلا أنها كانت شديدة الندرة، حتى كانت روايته “مالك الحزين” وهي أولى رواياته التي أدرجت ضمن أفضل مائة رواية في الأدب العربى وحققت له شهره أكبر بين الجمهور العادى وليس النخبه فقط. وقد حولت هذه الأخيرة الى فلم سينمائي شهير.. من أبرز أعماله، بحيرة المساء، مالك الحزين، شيء من هذا القبيل. توفي في شهر  يناير 2012

المزيد على ويكيبيديا

الكتاب على غودريدز

تحت سماء كوبنهاغن

تحت سماء كوبنهاغن

أحببت هذه الرواية. و على الرغم من أن عدد صفحاتها يقارب الأربعمائة إلا أنني قرأتها في جلستين، و لم أكن أظنني و أنا أقرأ أولى صفحاتها بقادر على أن أنهيها في وقت قصير، ربما تكون قد فاجأتني أنا الذي لم أنتظر منها أن تفعل ذلك، ليس فقط لأنني لم أقرأ قبلا لحوراء النداوي (اكتشفت أن هذه الرواية هي أول عمل للكاتبة) بل لأنني ما ظننتها ستكون أفضل من روايات أخرى انشغلت بارتشاف البعض منها و رميها جانبا.. لكن هذه، تمكنت مني حقا.

هي رواية في رواية، قصص عن مجتمع عراقي مصغر يبني أجياله بعيدا عن ضفتي نهري دجلة و الفرات هناك في أقصى الشمال الأوروبي في الدنمارك حيث الثلوج التي تخترق السماء بلا استئذان و برودة الأرواح الاسكندينافية و شح اللغة التي لا تكفي للتعبير عن ما يجول بخاطر الإنسان العربي.

رافد الذي تشكلت حياته كما تشكلت حياة كثير من العراقيين في الدنمارك بلجوءه إلى ذلك البلد ذي القلة من السكان ثم محاولته للإندماج ثم الإندماج المرغم، يجد نفسه فجأة أساس رواية فتاة مغمورة (هدى) تراسله عبر البريد الإلكتروني ليترجم لها روايتها تلك التي كتبتها، و عبر الفصول التي ترسلها إليه عبر البريد نتعرف على قصة طفولتها و مراهقتها الوفيرة بالأحداث المقلقة لفتاة تجد نفسها فجأة في وطن ليس وطنها ووسط مجتمع يرفضها بقدر ما تحبه. تجاذبات تجتمع لتكون أساسا لنضجها. تخترق فجأة تلك القصص رافد و القارئ معا، نقرأ مع رافد ما يثير فينا التساؤلات و يجعلنا نطلب أكثر و أكثر.. على الرغم من اختلافنا مع رافد كقراء، فرافد أساس الرواية، أو الروايتين معا. ينتقل بينهما.. بين الرواية التي يحاول ترجمتها و بين الرواية التي يكون فيها و هدى ذات العينين السوداوين و الوجه الأسمر أبطالا يمارسون أدوارهم غاية في الإتقان.

أعترف أن هذه الرواية أثقلتني بالتساؤلات، و إن لم تكن تساؤلات واضحة المعالم كي ترتضي إجابات واضحة هي الأخرى، إلا أنها تساؤلات كتلك التي تتسرب من اللاوعي بغير معان بائنة كي تطلب شروحات. و ما أعجبني في هذي الرواية زيادة على ما سبق هو تنقل شخوصها من بين واقع الرواية التي تحكيها “هدى.. التي تثير رافد و القارء معا” إلى واقع الرواية التي بين أيدينا.. لحتى كأنه في وقت ما قد نرتضيها “أي تلك الشخوص” واقعية في واقعنا هذا.

أنصح بقراءتها ;).

المزيد من المراجعات في الرواية على غودريدز

اقتباس:

لا ارغب فيما هو مجرد امرأة هادئة، و جميلة و مرضية، و احبذ لمن ترضيني من هي عليه. و لم يعد بي حل في امراة تجاهد ارضاي، و تصوغ اسعادي، بل اطلب امراة منسابة، تتدفق بين يدي بصراحة لفظها، و عفوية لفتاتها.. في علاقة أكون فيها الساعي و الطالب، أكون سيد عشقي بحق، فلا تبتداني زوجتي بكل شيء، من الايعاز الذي ترسله لاضع ملعقة في فمي و حتى الفراش الذي يضمني و إياها، وصولا الى مطبخها العامر.

عن جوراء النداوي:

حوراء النداوي

حوراء اياد النداوي

من مواليد بغداد/ العراق 1984

كاتبة عراقية. غادرت العراق مع الأسرة في سنّ السادسة لأسباب سياسية.
نشأت في الدنمارك وتعلّمت اللغة العربية في المنزل. تسكن حالياً في لندن. تحت سماء كوبنهاغن أولى أعامالها الأدبية.

بطاقة الرواية:

العنوان: تحت سماء كوبنهاغن

المؤلف: حوراء النداوي

الناشر: دار الساقي

سنة النشر: 2010

الرواية ترشحت للجائزة العالمية للرواية العربية