ثلاثية غرناطة

ثلاثية غرناطة

رحلة سقوط غرناطة مع ” رضوى عاشور ” …

و أنا أطوي آخر صفحة من الكتاب لم أستطع أن أطوي معه شعور الأسى والحزن على ما فات وامتدت جذوره إلى يومنا هذا … “مسلم قذر” “عربي جبان” ” كلب موريكسي”، ألفاظ تكررت أشعرتني بالقشعريرة، سقطت غرناطة، بالنسيا، قرطبة، … كل مدن إسبانيا حتى القرى والمناطق الجبلية هي للقشتاليين. اختير للعرب أسماء غير أسمائهم وفرضت عليهم عادات وتقاليد غير تلك التي ألفوها هم وأجدادهم، المرأة أجبرت على خلع ثياب الحشمة لترتدي ثياب الذل، الظلم، الضياع والهوان قبل ثياب النصرانيات، حرقت الكتب لتحرق معها القلوب فيرثيها الألم في صمت صارخ. ثلاثية غرناطة كانت أسطر مؤلمة وحقائق بشعة جسدتها شخصيات أبدعت في الوصف ( أبا جعفر، أم جعفر، أم حسن، سليمة، مريم، حسن، سعد، نعيم، علي،…).

هي مئات السنين من الظلم والالم المعتصر والقلوب المنفطرة. انتظار، انتظار، ثم انتظار، ليجهض في كل مرة مزيدا من خيبات الألم، فلا العربي نصر أخاه العربي (إن لم يكن هو سبب تعاسته) أما المسلم فلم يبق له من الإسلام سوى الإسم. كم تمنيت مع كل صفحة أقلبها أن أقرأ عن وصول المساعدات والإمدادات العسكرية من بني عثمان أو الشام او المغرب لكن عبثا تمنيت، فقد قلبت 504 صفحة ومع كل صفحة يزداد الالم ويضمحل الامل لأعتذر في النهاية من عقلي الذي لم يستوعب هذا السقوط المخزي لغرناطة ، ومن قلبي الذي ضل يشحذ فتات الأمل على محرمة الأسى ليطويها في النهاية تعتصر بدموع الخيبة . كل شيء يبحث عن تفسير كل حدث ومشهد عطشان لمزيد من الشرح ، رغم طول الرواية الا اني لم احس بالملل أبدا ، أحببتها كثيرا أنا ممتنة بالكثير للرائعة رضوى عاشور .

قراءة لـ: إلهام مزيود

Advertisements

“366” لأمير تاج السر

366

التقيته في معرض الجزائر الدولي للكتاب وكانت لي معه دردشة طويلة نصحني خلالها الكاتب السوداني أمير تاج السر بقراءة روايته 366، مشيرا إلى أنها كتبت لذوي القلوب الحزينة.. لتمر بعدها الأشهر وأقرأ الرواية..
من أول أسطرها أغرمت بها.. في البداية أريد الإشارة إلى أن أحداث الرواية تدور بين عاميْ 1978 و1979.. وهي مبنية على وقائع حقيقية، فقد ذكر تاج السر في مقدمة الرواية أنه “عثر ذات يوم على حزمة من الرسائل مكتوبة بحبر أخضر أنيق، ومعنْوَنة برسائل المرحوم إلى أسماء، وكانت مشحونة بشدة” كما (يذكر)، ضاعت تلك الرسائل لكن بقيت أصداؤها ترن في الذاكرة ليأتي هذا النص..
ما أحبه في كتابات تاج السر هو جعله القارىء ينغمس مع شخصيات رواياته.. وشخصية المرحوم في رواية 366 هي من تلك الشخصيات التي لا يملك القارئ إلا أن يتضامن معها وتشفق عليها.. رجل في الأربعين من عمره، لم يخاتل الحبُ قلبَه قبل تلك الليلة التي حضر فيها حفل زفاف أحد الأقارب.. ليرى صدفةً (أسماء) للمرة الأولى والأخيرة! تلك النظرة البِكر كانت بداية المنزلق في متاهات العشق المتأجج..ليبدأ رحلة البحث عن الحبيبة وسط كم من المشاعر التي تحكم العاشق الولهان يصورها أمير تاج السر في جمل قمة الشاعرية والأسلوب الجميل من كاتب لا تتوقع منه أقل من هذا.. مع وصول القارئ  لآخر فصل من 366 تبدأ في الاقتناع بأن أسماء لم تكن سوى حلم جميل عاش فيه بطلنا المغبون ولا وجود لها إلا في خياله.

من الرواية 

“أكثر ما أرهقني، في التصاق كولمبس وامرأته بي، هو أنني لم أعد أجد وقتًا لمحاولة تخمينك، وكلما جلست مطأطأ النوم، وواسع الأرق، لأحياك كما أريد، وأحيك دسائس الحب وتوعكاته، وخسائره وانتصاراته، أفاجأ بجاريّ، شرهين وواسعي الابتسامات، يتسليان بعورات بيتي، المرأة تفتح خزانتي بلا مناسبة، وتغلقها، ترتب سريري بحسب ذوقها، تغسل أطباقًا للطعام، ربما تركتها متسخة، تنحني لتكنس غرفتي وصالتي الضيقة، تطبخ لي ما تعتقد أنني أفضله، ولا أتذوق منه الكثير حقيقة، وأنتبه إلى لهاثها المجنون، وأترجاها أن تكف ولا تكف، والزوج، منكفئًا على وسادتي، تلك التي طرزتها بدموعي وريالة العشق التي أسلتها، أيامًا طويلة، يلف مخدره من البانجو، في ورق شفاف، ويدخن، لدرجة أن مرور بعوضة عادية بالقرب من أنفه، أو منظر ذبابة عالقة في خيط عنكبوت على الحائط، يضحكه حد الدمع، وأصوات الطريق العابرة، من صراخ وسباب، ومناجاة، تضرجه بتفاعل غريب، يقفز على أثره من اتكاءته، يركض، وينضم لمشعلي أصوات الطريق. وحين يجلس في ركن محاضرات الحياة، في أول المساء، ويملأ المساحة المتمكنة من الليل، بصوته الرنان الدائخ من أثر المخدر، أتنفس بعمق، أتمنى لو كان اليوم كله محاضرات خيالية تافهة، حتى أقضيه أنا في خيالاتي الوارفة النظيفة”.

بطاقة:
الرواية:366
المؤلف: أمير تاج السر
الناشر: الدار العربية للعلوم
السنة: 2013

قراءة في رواية نعاس لـ هاروكي موراكامي

نعاس هاروكي موراكامي                                                                                                              

انهيت لوقت متأخر من الليل، النوفلا (الرواية القصيرة ) المسماة نعاس لهاروكي موراكامي.. أصبحت هناك مجموعات وصفحات مميزة في الشبكات الاجتماعية، مدونات رائعة تستبق للجديد والماتع والرائع فضلا عن هذا.. أعجبني أولا تلك المجموعة الشابة التونسية التي نشرت القصة إذ أخذت على عاتقها تقديم الأدب العالمي الماتع (الممتع) للناشئة والشباب بأسعار معقولة ..هذا أولا هو شيء مهم ورائع وأحيي كل من أوصل لنا كل هذا ..

أما فيما يخص الرواية ككل.. فلنبدأ برحلتي مع هاروكي موراكامي.. مع الأدب الياباني ككل كانت بداياتي مع (التاريخ السري لامير موساشي) .. الحقيقة أن هذا الكتاب مميز جدا.. ثم قرأت ياسوناري كاواباتا.. قصتان أو روايتان ثم سازوكي في رائعته التي أذهلتني (بوتشان) .. لذا فإنني جربت أن أقرأ (كافكا على الشاطيء) وذهلت من براعة هاروكي. بكل نزاهة لم أكن أعرف أي شيء عن هاروكي.. لذا فالرواية لما دخلت فيها عدة تقاطعات بدأت أشعر بالملل.. الكلام عن الملل لدى عشاق هاروكي موراكامي يشبه التجديف على الرب لدى المتدينين.. لكن فعلا.. في بدايات تعرفي عليه شعرت بذلك.. لذا هناك (فكرة) مهمة جدا مميزة أشار لها بورخيس هو أننا نقرأ لشخص ولا نقرأ كتابا وكفى.. فمثلا لو كان هناك عمل ما لشخص ضعيف ووضعت عليه اسما كبيرا ولم يفطن أحد فالغالب الأعم (ما عدا النقاد النحارير الواصلين) سيقول أن الرواية رائعة وعظيمة.. وروي في الأدب العربي مثل هاته القصة أي أن أحدا كان متعصبا لشعراء الجاهلية ويكره المولدين (وهم شعراء أبناء الاسلام) فأنشد له أحدهم بيت شعر لمولد فاستحسنه ومدح براعته فقال له هذا من شعر فلان المولد فقال والله أن الضعف بادي فيه!!. هذه طبعا مكابرة وعناد والكثيرون من القراء المرتبطين بكتّاب يعميه حب الكاتب عن فهم الأعمال جيدا .. قلنا أن هذا ما يقع كثيرا مع القراء.. لكن من البداية حتى لو كان أول لقاء لك مع هاروكي ستعرف ان هناك شيئا .ان هناك خيط عبقرية ان هناك المعية في الطرح والتوزيع والسرد وكل شيء ..
ولنبدأ في كلامنا على (نعاس) النوفلا التي تكلمنا عنها.
لا داعي -والقصة قصيرة وماتعة جدا- أن أفسد أي شيء ..لكن قصص هاروكي ككل (و حكمي هذا إنما نشأ عن قراءات لمقالات (مقالين لهاروكي، رواية كافكا على الشاطي، نعاس، بلدة القطط جزء قصير من روايته الضخمة 1q84، سامسا عاشقا (نوفلا صغيرة في النيويوركر) فحكمي بارز عن قراءاتي لهذه الأعمال فقط. حكايا هاروكي سهلة بسيطة لكن حبكتها سوريالية (فنتازية) هذا أمر واضح لكن تبدأ بالواقع ثم فجأة تكون في الخيال دون تدرج (هذا ما يخيل للقراء العاديين) لكن هناك تدرج كبير في الكتابة ..فلا ننزعج مثلا من الحبكة التي تجمع بين الواقع والخيال بل يبدو لنا الأمر واحدا ومتماسكا.. وهنا تكمن براعة هاروكي.
هاروكي في مقابلة له مع جريدة ألمانية أثبت أن بعض قصصه رواها له رجل كان يراه بوضوح في مكتبه. الأمر جنوني بالنسبة لي، لكن هناك الكثير من الهلاوس التي يعاني منها الكتاب فعلا.. فرجينيا وولف، كافكا، جيمس جويس، بول اوستر .. هناك مرحلة يكون الكاتب قد صدق نفسه (وهو يقول أنه اُلهم وليس ابتكر) في حكاياته فيعيشها فعلا وكأنها وقعت أو دعنا نقل يعيد صياغة بعض القصص الحقيقية وهم يبررون ذلك بقولهم من يعرف الواقع على ما هو عليه فعلا ؟؟ لا أحد، لا يمكن، أنت أصلا لما تتذكر لا تتذكر إنما تعيد صياغة الذكريات في ذهنك فهو ليس تذكر إنما إعادة تشكيل في الحاضر لماضي لا نعرف أبدا الذي وقع فيه على حقيقته. (الفكرة الأخيرة لميلان كونديرا) لذا فالقليل من التشويه يقول الكتّاب لن يضر أحدا !! لأنه لا يعرف أحد حقيقة الواقع القابع أمام أعيننا.
على كل تقاطعات كتابات هاروكي مع سيرته الذاتية واضح جدا للعيان وهذا يعطيها مصداقية وروعة وقوة سبك وسرد مثلا ممارسته للسباحة (تظهر في نعاس وكافكا على الشاطيء)، مطالعاته المكثفة (كافكا على الشاطيء ونعاس)، الأماكن والموسيقى والفنانين المذكورين والكتاب كلهم حقيقيون ونابعون من قراءات المؤلف.. وهذا ممكن أن يعيب على الرواية قليلا اذ ان النقاد لا يحبون ان يتسرب شيء من قراءات الكاتب الى شخصياته.. المشكل في الكتابة السردية بقلم شخصية ما أنه يفترض فيها أنها تكتب باعتيادية بالغة.. لكننا نرى الشخصيات الروائية تكتب بروعة روائي كبير!. وهذا خطأ فني كبير .. تظهر لك في الروايات دوما رسائل مكتوبة بصيغ ممتازة كأن الشخصيات نفسها متمرسة على الكتابة بشكل رائع وكبير.. تتحدث عن نفسها بكل أريحية وتجلب استعارات بلاغية لا يفطن لها الا عبقري (مثلا وصف الزوجة لنوم زوجها المضحك في رواية نعاس، ووصف هوشينو للألم الذي حل به من جراء قيام ناكاتا بعمل ماساج لظهره) هذان الوصفان بلاغيان ورائعان لدرجة ان عاميا لن يكون باستطاعته صياغته أبدا.. هنا يتغلب الدكتور سالنجر في الموضوع رغم انتاجه القليل جدا.. روايات أو لنقل روايته اليتيمة، سالنجر تتكلم الشخصيات بكل طبيعية فعلا وبغير افتعال لقراءات ضخمة ولا تكلم بسلاسة كتابية لا تتكون الا بعد مراس شاق على الاعمال الكتابية التي لا يمكن لشخصيات عادية ان تفتعلها ..
في زوايا رواية نعاس تقرأ بطلة القصة التي تتكلم بضمير المتكلم وتكتب القصة ..القصة ذات صوت احادي لكنه شمولي كعادة هاروكي، في هذه الرواية تقرأ البطلة رواية تولستوي آنا كارنينا.. وأنا قرأت الرواية وأثرت في تأثيرا بالغا لدرجة أني لم اقرأ تولستوي لاحقا أبدا حتى استجمع قواي .. اذ ان آنا كارنينا مرعبة من ناحية القوة .. وبما انني قرات عنها عدة مقالات فاني عرفت ان تولستوي في مذكراته تحدث على ان الكثير من حياته صيغ هناك .. آنا كارنينا دون نقاش هي قطعة ادبية ذهبية دون الحاجة لحكمي هذا عليها ..هاروكي قدم قراءة مميزة للرواية ..وابدى لنا تفاصيل ربما تغيب عنا لسبب واضح هو انه قرأها اكثر من مرة وعلى مدى سنوات ..لذا فلفهم نعاس بشكل جيد للاسف يجب عليكم قراءة انا كارنينا لتولستوي مهما كان . هناك عدة تقاطعات وملاحظات وامور في القصة منها : وصف الحياة الرتيبة لربة بيت يابانية عادية ( الحياة هي الرتيبة اما وصف هاروكي فممتع ..غالبا ما يرى القراء كلمة رتيبة حتى يهرب من الكتاب .. المشكل ليس في القصة ..قصص دوستويفسكي كلها كما يقال تجدها في أي جريدة يومية .. لكن انى لك باسلوب القص الخاص به ؟؟ هنا مربط الفرس كما يقال).  وصف المشاعر والاحداث بدقة كبيرة جدا ..لدى الروائين مجهر روائي عظيم ودقة ملاحظة وذاكرة كبيرة . التحدث عن الحياة العامة لطبيب اسنان الذي هو زوج ربة البيت .. وقد لخص الامر ببساطة في جملة ( وهذا ما يسحرك في الروايات ..) فبعد ان اقترضوا ليفتحوا عيادة ورغم ان الامور تسير على ما يرام الا انه قال لها .. (تقترض لتشتري الات جديدة لتربح الزبائن ثم يمضي القليل من الوقت حتى تشتري اخرى ولا يستفيد الابائعوا الالات !) يبدو كلاما عاديا جدا لكنه في سياق القصة مميز للغاية . و ثم هناك الحادث الغريب الذي هو حبكة الرواية والذي لن ارويه هنا لانه لا فائدة من فعل ذلك ..وهناك قراءة البطلة لرواية تولستوي (عادات القراءة ) وصف كيفية القراءة بشكل دقيق .. الرواية تنتهي نهاية مفتوحة .. لكنها تذكرك ان كنت قرأت بول اوستر برائعته ليلة التنبؤ ..اذ هي رواية عن كاتب يكتب رواية في الرواية الداخلية هناك شخصية تحتجز في قبو محكم الاغلاق ولا يتمكن الكاتب الذي هو شخصية في رواية بول اوستر من اكمال القصة لاخراجه .. اظن ان هذا ما وقع لهاروكي موراكامي وهذا ما جعله ينهي القصة بطريقة مفتوحة كهذه .هذا ما لدي لقوله حول هذه الامور… سلام.
قراءة ل/ يونس بن عمارة
نشر الموضوع هنا أيضا

ضغط الكتابة وسكرها

ضغط الكتابة وسكرها
خواطر جميلة عن الكتابة والكِتاب والرواية وأشياء أخرى تدور في هذا الفلك يحملها مؤلف “ضغط الكتابة وسكرها” لصاحبه الروائي السوداني الكبيرة أمير تاج السر. أمير رائع في كتابة الخواطر روعته في كتابة الرواية، له قدرة على جعل القارئ جزء من حكاياه وانشغالاته ككاتب وإنسان معا رغم أنه قد لا يكون للقارئ أدنى ارتباط  بالأحداث التي يرويها تلك التي تشغل باله ككاتب، رغم ذلك يوجد مؤلفنا للقارئ رابطا روحيا مع كتاباته، وهذا ما أحببته فيها كونه يجعلنا نتذوقها بسلاسة من دون أن نشعر أننا غرباء عن الكتاب.
يتناول الكتاب خواطر عن الكتابة كونها فعل إنساني لابد وله تداخلاته مع النفس الإنسانية، فبالضرورة بمكان يصبح فعل الكتابة بالنسبة للكاتب مميزا وباعثا للشغف والحماسة، كما يصبح في أحايين أخرى مرهقا وسببا في انعزال الكاتب عن مجتمعه ، كما يتحدث أمير  عن تفاعل الروائي مع روايته وشخوصها وأحداثها وكذا مع قارئها، كل ذلك مع قصص ينقلها الكاتب عايشها في بورتسودان، أين كان يعمل طبيبا في مستشفاها.
أحيانا نحس في كلام أمير أنه يريد لو يذهب بعيدا في وصف ما يلهمه للقارئ، أعجبني كثيرا أنه تحدث عن ما يهم قارئ اليوم ويتفاعل معه مثل حديثه عن الكتاب الإلكتروني، وموقع غودريدز وغوغل والشبكة العنكبوتية التي صارت تصنع اليوم نجوما وتأفلهم وتربط عوالم وأشخاص ما كان ليكون لها طريق للقاء غير الشبكة. في هكذا مواضيع نتعرف على أمير الكاتب الكبير الذي لم يهضم حق جيل اليوم في تفاعله مع تكنولوجيات العصر. إضافة إلى ذلك لا يجد أمير حرجا في أن ينقل رأيه في كتاب آخرين عربا كانوا أو غربيين، خلافا لكتاب آخرين لا يشيرون إلى بعضهم البعض سوى بالمعاني وإن حضرت.

مقطع من الكتاب: 

“كان إمام مغنيا يملك صوتا ممتلئا بعناصر الطرب كلها، وكان يعمل نجارا فى ورشة صغيرة، يملكها فى أحد الأحياء البعيدة، كان يدق مسمارا أو مسمارين فى الصباح على طاولة أو كرسى، أو خزانة، وينفق باقى اليوم فى تلحين القصائد التى تناثرت داخل الورشة، وكان مألوفا جدا أن ترى عددا من زبائنه، يسألون بغضب عن أغراضهم التى مضى عليها زمن طويل وما زالت مجرد خشب، فى أحد الأيام زرته فى ورشته، أعطيته قصيدة كتبتُها لفتاة جميلة وأرادت أن تسمعها مغناة” فطلب مني أن احضر شاياً من مقهى قريب و أعود ,وحين عدت بعد عدة دقائق كان يسمعني قصيدتي ملحنة بصورة لم أصدقها . وفي يوم زودته بخامات الخشب وطلبت منه طاولة جديدة لعيادتي التي سأفتتحها قريباً فلم أستلم تلك الطاولة ابداً”.
بطاقة:
الكتاب: ضغط الكتابة وسكرها (كتابات في الثقافة والحياة)
الكاتب: أمير تاج السر
الناشر: دار العين
السنة: 2013

قضية اختفاء فرانشيسكا باربيريني

divorce-islamic-style

تعود ملابسات القضية إلى أول أمس عندما رجع صابر إلى البيت من الشغل متأخرا. كان متعبا جدا، فألقى بجسده على السرير لينام. فلما هم بتقبيل فرانشيسكا (أي صورة فرانشيسكا باربيريني الملصقة بجانب سريره) ليتمنى لها ليلة سعيدة وأحلاما هنيئة، لم يجد لها أثرا. من الذي أخذها أو سرقها أو سباها؟! أقام صابر الدنيا ولم يقعدها. رفض أن يغمض جفنه ما لم يسلط الضوء على هذه الحادثة. ثم راح يصرخ: “مين الحرامي ابن اللئيمة اللي سرق فراتنشيسكا؟ عايز أعرف دلوقتي حالا!”.
خيّل إلي رؤية المجنون في فيلم “أماركود” لفيديريكو فيليني عندما يصعد إلى قمة شجرة ويرفض النزول صارخا :”أريد امرأة voglio una donna”. مطلب صابر يختلف كل الاختلاف عن مطلب مجنون فيليني لأنه يريد امرأة معروفة لها اسم ولقب.

ينبغي الإعتراف أن صابر ابن حلال وفيه كافة الخصال الحميدة ما عدا الصبر. قال له أحد الحاضرين :” هي البنت المقصوفة الرقبة فرانشيسكا دي مراتك؟”، أجابه غاضبا:” فرانشيسكا أكتر من زوجة! فاهم ولالا؟!”. وحاول آخر تحذيره من مغبة إيقاظ الجيران :”متعقل يا صابر، أنت بدون وثائق ويمكن يطردوك من البلد”. وصرخ صابر باكيا:”أنا مش خايف من البوليس!”.
شهدت قضية اختطاف فرانشيسكا تطورات غير منتظرة، إذ اندلع الصراع بين الساكنين المتدينين من جهة والساكنين غير المتدينين من جهة ثانية بعد أن حمل صابر جماعة المتدينين مسؤولية ما حدث. ثم أطلق تهديدا واضحا :”هديكوا 24 ساعة إما مرجعتوليش فرانشيسكا، والله العظيم ثلاث هلزق صورها عريانة في المطبخ والحمام وفي البيت كله! وروني هتعملوا إيه!”. هذا إعلان حرب!
وهكذا صار صابر رمزا للحرية الفردية وخصما للأصولية وداعية لحرية التعبير في ماركوني. من يراه يحاجج يخاله مثقفا من دعاة التنوير! واندهشت كثيرا لما سمعته يقول:” النهار دا ضايقوا فرانشيسكا المسكينة، يا ترى هيكون الدور على مين بكرة؟”، “هيجبرونا نربي دقننا لحد رقابنا وهيلبسونا القمصان الطويلة بالعافية وهيجوزونا منقبات كمان!!!”، “اللعنة على القحبة الخنزيرة، البيت هيتحول إلى مستعمرة طالبان!”. في خضم هذه الأجواء الغريبة، رحت أتساءل حول ما إذا كان صابر قد تناول بعض المخدرات؟
ولم يتزحزح صابر عن موقفه الليبرالي قيد أنملة: من حق كل واحد أن يفعل ما يريد شريطة ألا ينغص على الآخرين. بما أن فرانشيسكا (يقصد الصورة الصغيرة) لم تزعج أحدا، فإن من أقدم على اختطافها ارتكب جناية كبرى. الحقيقة أن وجود فرانشيسكا (يا للخسارة، كانت آخر أثر أنثوي في هذه الشقة!) كان يزعج راحة شخص ما.
تمكنا من تهدئة صابر مع طلوع الفجر بعد محاولات عديدة، فنام كطفل صغير قضى يومه في اللعب حتى الإرهاق. هذه القضية لن تنتهي عند هذا الحد، ستكون لها مضاعفات في المستقبل القريب. السؤال المطروح: هل ستتضاءل سلطة المتدينين في هذا البيت؟ أو بتعبير آخر: هل تجرؤ الفئة غير المتدينة على جلب الخمور والنساء؟ من يعش ير!.

مقطع من رواية “القاهرة الصغيرة” لعمارة لخوص.

في انتظار كيندل!

صورة

هي مرة واحدة فقط حدث أن وقع فيها بين يدي، كان ذلك خلال سفرية صباحية إلى الأغواط قبل أزيد من عام من الآن بجنب صديقي زبير عامر، لم أصدق حينما أخرج زبير من حقيبته ذلك الشكل المستطيل الأسود الذي عرفت منذ أول لحظة أنه معشوقي. لم أتمالك نفسي وأنا أتأمله وأتصفح بعض الكتب، عشرات منها بالإنجليزية التي كان يقرأها زبير تحفت بها ذاكرته. خفيف إلى درجة تظن أنك تحمل ورقة، شاشته البيضاء اللون لا تزعجك وأنت تدقق في الحروف التي انطبعت عليها، لا إضاءة كثيفة ولا أشعة تسبب ألما في العينين تظطرني كل مرة كالعادة أن أضع نظارتي عند القراءة من جهاز الكتروني. والأجمل من كل هذا وذاك التنقل بين عشرات الكتب دون الحاجة لحملها معك.. من قال عنه أنه مكتبة متنقلة لم يخطأ أبدا، الأجدر كذلك القول أنه عالم متنقل بأكمله.

اليوم، ومنذ ذلك الوقت أفكر في الحصول على هذا الجهاز، لا أعرف ما الذي يؤخرني إلى هذه الدرجة، الكثير من الأمور تعجزني عن فعل ذلك، بالأخص منها عدم توفره في الجزائر، ما يعني طلبه من الخارج من الشركة المصنعة “أمازون”، وغير ذلك نفاذ الجيب بعض الأحيان عندما أتحمس لشرائه. أكثر ما يرغبني فيه هو تخلصي من عجزي عن حمل الكتب كل مرة خلال تنقلي في العاصمة، أن تحمل كتابين أو ثلاثة في حقيبة لهو أمر معجز بالفعل، السبب في حملي كما كبيرا من الكتب، هو أن لكل كتاب وقت معين لقراءته، في الكثير من المرات حين أتفقد الكتاب الذي أحمله بحوزتي وخصوصا منه الروايات أجدني غير راغب في قراءتها، لا تلائم في تلك اللحظة حالتي النفسية التي أكون عليها.. أنا هكذا مزاجي في القراءة. الأكيد، أن كيندل هو الحل الأمثل لهذا المشكل الذي يضيع علي وقتا كثيرا كان يجب أن أقضيه في القراء. الوقت الذي أقضيه في الحافلة أحيانا يزيد عن الساعتين، تخيلوا مقدار ساعتين من القراءة تضيع كل يوم؟!.

غير ذلك، كيندل يمكّنك من قراءة الكتب الإلكترونية، الكثير من الكتب التي اقرأها هي كتب إلكترونية، لا يعقل أن أقضي ساعات أمام شاشات الكمبيوتر أقرأ كتبا. أحتاج لكيندل كي يرفأ بعيني قليلا، فما زالت هناك كتب كثيرة تحتاج إلى أن أقرأها باستعمالهما.

 منذ أيام بحثت في إحدى مواقع التجارة الإكترونية في الجزائر عن هذا الجهاز لعلى وعسى هناك من اقتناه ويريد بيعه، في حقيقة الأمر كان توقعي لهذا ضئيلا، لم أعرف كثيرون في الجزائر يحبون القراءة والأكثر الذين يحبون الأجهزة الإلكترونية من أجل القراءة!، فمنذ رغبت بشراء هذا الجهاز بحثت عنه في غالبية المحلات التي تبيع أجهزة إلكترونية بالعاصمة ولا أحد من أصحاب تلك المحلات التي بحثت فيها عرف ما هو كيندل، بل الكثيرون راحوا يطلبون مني إعادة اسم الجهاز على اسماعهم التي لم تألف سماعه من قبل، واظطررت عند شرح معناه القول أنه “تابلت”. المهم عند بحثي بموقع واد كنيس، كان الأمر خلافا لما توقعت بعض الشيء، البعض اقتنى هذا الجهاز ويرغب ببيعه، حوالي ثلاثة أو أربعة أجهزة، أؤجل كل مرة الاتصال بأصحابها ولا أعرف لذلك سببا محددا، قد يعتبر البعض هذا مناقضا لرغبتي الشديدة في الحصول على هذا الجهاز. ربما هو الأمر كذلك.. لكن الأمر بالتأكيد لن يطول. فقد مللت من ملأ قائمة مفضلاتي من الكتب التي أريد أن أقرها على موقع غودريدز.. أريد أن أبدأ بقراءتها بالفعل.