قضية اختفاء فرانشيسكا باربيريني

divorce-islamic-style

تعود ملابسات القضية إلى أول أمس عندما رجع صابر إلى البيت من الشغل متأخرا. كان متعبا جدا، فألقى بجسده على السرير لينام. فلما هم بتقبيل فرانشيسكا (أي صورة فرانشيسكا باربيريني الملصقة بجانب سريره) ليتمنى لها ليلة سعيدة وأحلاما هنيئة، لم يجد لها أثرا. من الذي أخذها أو سرقها أو سباها؟! أقام صابر الدنيا ولم يقعدها. رفض أن يغمض جفنه ما لم يسلط الضوء على هذه الحادثة. ثم راح يصرخ: “مين الحرامي ابن اللئيمة اللي سرق فراتنشيسكا؟ عايز أعرف دلوقتي حالا!”.
خيّل إلي رؤية المجنون في فيلم “أماركود” لفيديريكو فيليني عندما يصعد إلى قمة شجرة ويرفض النزول صارخا :”أريد امرأة voglio una donna”. مطلب صابر يختلف كل الاختلاف عن مطلب مجنون فيليني لأنه يريد امرأة معروفة لها اسم ولقب.

ينبغي الإعتراف أن صابر ابن حلال وفيه كافة الخصال الحميدة ما عدا الصبر. قال له أحد الحاضرين :” هي البنت المقصوفة الرقبة فرانشيسكا دي مراتك؟”، أجابه غاضبا:” فرانشيسكا أكتر من زوجة! فاهم ولالا؟!”. وحاول آخر تحذيره من مغبة إيقاظ الجيران :”متعقل يا صابر، أنت بدون وثائق ويمكن يطردوك من البلد”. وصرخ صابر باكيا:”أنا مش خايف من البوليس!”.
شهدت قضية اختطاف فرانشيسكا تطورات غير منتظرة، إذ اندلع الصراع بين الساكنين المتدينين من جهة والساكنين غير المتدينين من جهة ثانية بعد أن حمل صابر جماعة المتدينين مسؤولية ما حدث. ثم أطلق تهديدا واضحا :”هديكوا 24 ساعة إما مرجعتوليش فرانشيسكا، والله العظيم ثلاث هلزق صورها عريانة في المطبخ والحمام وفي البيت كله! وروني هتعملوا إيه!”. هذا إعلان حرب!
وهكذا صار صابر رمزا للحرية الفردية وخصما للأصولية وداعية لحرية التعبير في ماركوني. من يراه يحاجج يخاله مثقفا من دعاة التنوير! واندهشت كثيرا لما سمعته يقول:” النهار دا ضايقوا فرانشيسكا المسكينة، يا ترى هيكون الدور على مين بكرة؟”، “هيجبرونا نربي دقننا لحد رقابنا وهيلبسونا القمصان الطويلة بالعافية وهيجوزونا منقبات كمان!!!”، “اللعنة على القحبة الخنزيرة، البيت هيتحول إلى مستعمرة طالبان!”. في خضم هذه الأجواء الغريبة، رحت أتساءل حول ما إذا كان صابر قد تناول بعض المخدرات؟
ولم يتزحزح صابر عن موقفه الليبرالي قيد أنملة: من حق كل واحد أن يفعل ما يريد شريطة ألا ينغص على الآخرين. بما أن فرانشيسكا (يقصد الصورة الصغيرة) لم تزعج أحدا، فإن من أقدم على اختطافها ارتكب جناية كبرى. الحقيقة أن وجود فرانشيسكا (يا للخسارة، كانت آخر أثر أنثوي في هذه الشقة!) كان يزعج راحة شخص ما.
تمكنا من تهدئة صابر مع طلوع الفجر بعد محاولات عديدة، فنام كطفل صغير قضى يومه في اللعب حتى الإرهاق. هذه القضية لن تنتهي عند هذا الحد، ستكون لها مضاعفات في المستقبل القريب. السؤال المطروح: هل ستتضاءل سلطة المتدينين في هذا البيت؟ أو بتعبير آخر: هل تجرؤ الفئة غير المتدينة على جلب الخمور والنساء؟ من يعش ير!.

مقطع من رواية “القاهرة الصغيرة” لعمارة لخوص.

Advertisements

عن القاهرة الصغيرة لعمارة لخوص

أنهيت قراءة رواية القاهرة الصغيرة، فوجدت أسئلة الروائي تنتظرني، إنه حوار جميل وصريح وشيق.. كما أنه يجعل القارئ ذو نظرة نقدية لما يقرأ.. و “القاهرة الصغيرة” هي ثالث عمل أدبي للجزائري عمارة لخوص، وكان قد كتب قبلها “البق والقرصان” وترجمت إلى الإيطالية، و”كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضك” والتي ترجمت إلى عدة لغات وحوِّلت إلى فيلم سينمائي.

ما رأيك في عنوان الرواية؟

عنوان جميل بقدر ما أنه يعني تصغيرا لواحدة من أهم المدن العربية والإسلامية، هو يمثل كذلك دلالة على الرواية التي تتحدث عن ذلك المجتمع العربي الصغير الذي يعيش في وسط روما ويمثل وجود المسلمين والعرب في هذا العالم، حيث تتداخل المتناقضات بين الانفتاح والإنغلاق.

ما رأيك في الشخصيات؟

الشخصيات مثلت جميع جنسيات المجتمع العربي والمسلم، وأيضا الإيطالي والغربي، بين المتشدد والمتفتح، بين المتدين والآخر العوج، بين العنصري والمتفهم لحقوق المسلمين وحرياتهم في الغرب وبين المستغل للمهاجرين..

ما رأيك في الحبكة؟

الحبكة كانت جنائية ومعقدة حقا، لا تستطيع أن تفهم إلى أين ستصل تطورات القصة، ولم أتصور أنها ستدور في ذلك الفلك، كنت أظنها ستستمر في ما هو جنائي ولكنها كانت اجتماعية أكثر.

ما رأيك في اللغة؟

تقول يا عمارة لخوص “اللغة كائن حي يتأثر ويؤثر في الفضاء الذي يحيط به ويستند إلى منظومة فكرية وشبكة علاقات اجتماعية”، وحقا جاءت لغتك في الرواية كائن حي مثلت التأثر بالوطن الأم وبالمهجر الجو الإيطالي الغربي.. استعملت لغات ولهجات مختلفة في الحوارات، وفي السرد أيضا تعابير من المجتمع الجزائري والمصري والإيطالي، ولو أنني لم أحبذ كثرة التعابير التي نستخدمها هنا في الجزائر، فهي غير متلائمة برأيي مع العربية الفصحى.

شيء آخر خاص بي فقط: بالنسبة لي على الأقل لم أحبذ بتاتا تلك الكلمات الساقطة والخبيثة التي كان يقولها كريستيانو أو عيسى التوني بين الفينة والأخرى، رغم أنها موجودة في الواقع، ولكن يمكن تهذيبها لأجل القارئ لقد كنت أقرأ الرواية في وقت واحد مع إحدى الفتيات، هل أستطيع أن أنظر إليها الآن.. على كل هذا رأيي فقط.

ما رأيك في البداية؟

من البداية دخل الروائي مباشرة في الموضع الخاص بالتجسس وعملية “كريستيان” لتبدو ملامح الرواية في الأفق على أنها ستكون جنائية، ولكن دخول “صوفيا” بقصتها الاجتماعية” أصابني باستغراب ما الذي يمكن أن يحصل.. هل ستكون طرفا فاعلا في الجريمة المرتقبة؟؟

ما رأيك في النهاية؟

النهاية كانت جميلة، لقد غاضني كثيرا ما أراد أن يقوم به “جودا” وهو حقا شيء يقومون به من أجل أوطانهم، أن يبرزوا أنفسم قد تفوقا على جماعة إرهابية، ثم استغلال الأمور الجنسية للضغط على كريستيان الذي أصبحت متعاطفا معه، فهمت الأمر على نحو أن الروائي يريد الإشارة إلى إمكانية استخدام الاستخبارات لأمور مغلوطة من أجل سياسات دولهم.. ولحسن الحظ انتهى الأمر بسلام، ليواصل أهل القاهرة الصغيرة بسلام.

ما هي الجوانب السلبية؟

لست ناقدا.. ولكن أعتقد أن الرواية كانت منقوصة من حيث التشويق فقد مشت كانت تمشي على وتيرة واحدة ولم أحس بالتشويق إلا في النهاية.. أيضا، لم أحس بأنها رواية كوميدية حقا.

ما هي الجوانب الإيجابية؟

قراءة نقدية ثاقبة للواقع المحيط والمعاش في المهجر، ودراسة معمقق في العلاقات الاجتماعية المتكونة ، إضافة إلى أسلوب الكتابة بلسان الشخصيتين الإيطالي والمصرية وهو ما يشدك أكثر.

ما رأيك في الرواية باختصار؟

لأول مرة أقرأ لعمارة لخوص، رواية جميلة تخوض في عديد القضايا الفكرية والاجتماعية الخاصة بالمسلمين ونظرة الغرب إليهم وبخاصة المهاجرين، وحبكة محكمة رغم بقاء الرواية في نفس الوتيرة، ونهاية فريدة لم تكن متوقعة، هذه النهاية هي التي جعلتني أحبها أكثر، تقدم قراءة نقدية لمفهوم الإرهاب الإسلامي لدى العرب والغرب، أظنني سأبحث عن الروايتين الأخريتين لقراءتهما.