الأحلام بين العلم والعقيدة

أنهيت كتاب علي الوردي الأحلام بين العلم والعقيدة والذي وصلني هدية مع كتاب آخر من مدونة أكثر من حياة .

علي الوردي عالم اجتماع عراقي، صاحب أسلوب متميز ويظهر هذا جليا في موضوعات كتبه وعناوينها ( مهزلة العقل البشري، وعاظ السلاطين، خوارق اللاشعور، أسطورة الأدب الرفيع… )

في هذا الكتاب يتحدث الوردي عن الأحلام وأثرها على الفرد والمجتمع ويتبع ذلك بملاحق عن العقل البشري ومهزلته، عن الممكن والمستحيل، عن الحاسة السادسة، عن الاشعور، عن العبقرية والجنون . هذه المفاهيم ترتبط بطريقة أو بأخرى بالأحلام من وجهة نظر الكاتب . حين تقرأ الكتاب تأكد من أنك ستخرج بأفكار مغايرة بمتعة كبيرة ومعرفة قيمة ، الوردي بأسلوبه البسيط يعرض عليك نظريات عديدة وقد يؤيدها أو يفندها بحجج منطقية وبطريقة علمية مشككة قد توصلك لليقين في آخر المطاف.

بعد المقدمة ، يأتي القسم الأول الذي يتحدث فيه الكاتب عن أراء القدماء في الأحلام ثم أراء المسلمين فيها وعن أثرها في المجتمع وتأثيرها على العقائد الاسلامية . يقول الوردي أن أغلب المجتمعات الأولى تقدس الأحلام، والمسلمون لا يختلفون في ذلك فهم أيضا يقدسون الأحلام يهتمون بها وبتفسيرها وإسقاط ذلك على حياتهم، الأحلام بالنسبة لهم هي البشرى والرؤيا الصالحة والنبؤة . كيف لا والأحلام تعد جزءا مهما من حياة أنبيائنا، سيدنا يوسف عليه السلام مثلا.

في القسم الثاني من الكتاب يتناول الوردي الأراء الحديثة في الأحلام وحين نتحدث عن الأحلام وعن الأراء الحديثة لابد أن نتطرق لفرويد، تحدث عن نظرياته :تأثيرها وعيوبها.. تحدث أيضا عن العقل الباطن، أحلام اليقظة عن التنويم المغناطيسي، عن الأحلام الكيشوتية نسبة لدون كيشوت.

في القسم الأخير يتحدث عن العلم وخوارق الأحلام : عن تنبؤات الأحلام ، عن الأحلام والزمن، عن أحلام التنويم المغناطيسي ، عن عبقرية الأحلام.

ثم تأتي أخيرا الملاحق  في النصف الثاني للكتاب. طبعا لم أوف الكتاب حقه ولم أتحدث عن الأفكار التي شدتني، كل فكرة تبعث على النقاش والتحدث طويلا. لنقل أنه أول كتاب  أخطط على صفحاته بقلم أزرق ، عادة أخط بالقلم الملون على الاقتباسات التي تعجبني لكن هذه المرة دفعني الكاتب أن أسجل أفكاري على صفحات كتابه.

هناك كلام جميل عن الغوغاء بعض ما نراه حاليا ويعتبر ثورة الشعب : ” أشار علي بن أبي طالب قبل مئات السنين، حيث قال عن الغوغاء إنهم همج رعاع ينعقون مع كل ناعق ويميلون مع كل ريح وقال عنهم كذلك أنهم إذا اجتمعوا ضروا وإذا تفرقوا نفعوا”

“جيء إلى الإمام علي بن أبي طالب، في يوم من أيام خلافته برجل اقترف ذنبا. وكان الرجل محاطا بجماعةمن الغوغاء يهرجون حوله ويحاولن الاعتداء عليه. فصاح فيهم الإمام قائلا: لا مرحبا بوجوه لا ترى إلا عند كل سوأة “

 ما كتبته في الغودريدز أثناء قرائتي الكتاب :

مستمتعة جدا بالكتاب رغم أني أحس أحيانا أن الأسلوب بسيط حد السذاجة. أعجبني جدا الجزء الذي يتحدث فيه عن الزمن وكيف أنه بعد رابع.. أيضا عن الزمن والأحلام ونظرية المستر دان .. ما يفسد متعتي القراءة المتقطعة و المتباعدة”

أثار الوردي إعجابي في إلمامه ببعض مفاهيم الفيزياء ، حديثه عن الأشعة الكهروطيسية والسينية ونقده لآراء تيرل

جميل ما كتبه عن الحاسة السابعة موضوعي المفضل في المسلسلات الأمريكية التي أتابعها غالبا.. أعجبني أيضا مثال مادة الفسفور التي تخزن الأشعة إذا تم تعريضها للضوء ثم تشع إذا وضعت في الظلام

لتحميل الكتاب

Advertisements

قراءة في كتاب “سيكولوجية الجماهير” لــ جوستاف لوبون

معلومات عن الكتاب:

العنوان: سيكولوجية الجماهير.
المؤلف: جوستاف لوبون.
صفحة الكتاب على موقع goodreads: سيكولوجية الجماهير.
القراءة مقدمة من قبل: نهى الدوسري.

دائما كانت الخصائص الديموغرافية من أهم الخصائص التي تعتمد عليها نظريات الاتصال وعلى أساسها يتأثر الفرد بالرسالة الإعلامية الموجهة له وعلى اختلاف تلك الوسائل وتعددها إلا أن هناك اختلاف بين فرد وآخر عند استقبال الرسالة وفهمها وتأثيرها عليه حتى ولو كانت الوسيلة واحدة، ويرجع ذلك لأن الأشخاص مختلفين من حيث الخصائص الديموغرافية، من أجمل الكتب التي ناقشت علم الاتصال ونفسيات الجماهير كتاب (سيكولوجية الجماهير ).

 سأكتب من هذا الكتاب بعض الاقتباسات التي تبين طبيعة الاتصال كعلم يهتم بدراسة نفسيات الجماهير، مع التعليق عليها ..

جوستاف لوبون

غلاف كتاب سيكولوجية الجماهير

( إن الانفعالات التحريضية المختلفة التي تخضع لها الجماهير يمكنها أن تكون كريمة أو مجرمة , بطولية أو جبانة وذلك بحسب نوعية هذه المحرضات )*

يعتمد المؤلف في ذلك على دراسته لعواطف الجماهير وسرعة انفعالها حيث أن من أهم الخصائص التي يذكرها سذاجة الجماهير دائماً وتصديقها لأي شيء وتأثرها ببعضها سريعاً ويتضح لنا ذلك من خلال سرعة انتشار أي اقتراح يطلق في أي تجمع بشري وهذا ما يسبب كثرة الإشاعات والتوجيه السريع للعاطفة باتجاه محدد .

(ليس الجمهور بحاجة لأن يكون كثير العدد لكي تُدمر إمكانيته على الرؤية الحقيقة بشكل صحيح )*

يؤكد المؤلف على أمر مهم وهو أن ملكة الملاحظة والروح النقدية التي يمتلكها الفرد تكاد تضمحل وتتبخر إذا انخرط الفرد مع الجمهور وضمن العوامل البعيدة التي تتشكل من خلالها الجماهير كان عامل “التعليم والتربية” من أهم العوامل.

 ( إن التعليم إذا طبق بشكل سيء فإنه يصبح ضارًا أكثر مما هو نافع)*

ومن أهم ماكتب غوستاف لوبون  في عوامل تشكيل آراء الجماهير ممثلاً لذلك بالصور والعبارات والكلمات أو الشعارات التي تبقى في مخيلتنا حيث أن العقل والمحاجات العقلانية لا يمكنها أن تقاوم بعض الكلمات أو الصياغات التعبيرية ثم أضاف لتلك العوامل التجربة التي تعد أحد أهم العوامل التي ترسخ في المخيلة ولا تزاح عن العقل، ولا يمكن إغفال العقل حيث يعتبر عامل رئيسي في التأثير على روح الجماهير وكيف أنه من  الممكن أن يتحول من عامل إلى ايجابي إلى عامل سلبي،  وأن تحريك الجماهير لا يتم من عقلها وإنما من عاطفتها،  وحتى تتم عملية إقناع الجماهير فلابد أن نتوجه إلى عاطفتها لا إلى عقلها حيث أن قوانين المنطق العقلاني ليس لها تأثير عليها ..

(إن الفرد ما إن ينخرط بجماعة في جمهور محدد حتى يتخذ سمات خاصة ما كانت موجودة فيه سابقا )*

من هذا المنطلق يبين المؤلف أن علم النفس المطبق على الجماهير أو الجماعات يختلف من حيث المنهج والنتائج عن علم النفس الفردي ومن هنا كان علم دراسات الجماهير يحتل أهمية كعلم مختلف ومتمايز له أهميته في ساحة العلوم الإنسانية الحديثة ..

الـعشرة تساوي مائة!

بقلم “نسيم الصمادي” .. صاحب نظرية التمتين ومؤسس ورئيس تحرير موقع “إداره.كوم“,وفيلسوف إدارة وتنمية بشرية.

 

شعوريًا وسلوكيًا وحسابيًا وطبيًا وفعلاً وممارسة؛ أصبحت العشرة بالمائة، مائة بالمائة. وأظنه “تشارلز سويندل” الذي قال: “الحياة هي 10% ما يحدث لنا، و 90% هي كيف نستجيب لما يحدث لنا.” قرأت هذه العبارة قبل 20 عامًا، وكنت أظنها تعبيرًا مجازيًا وقولاً تحفيزيًا لا أكثر. ولكنها تحولت يوم الجمعة الموافق 13/4/2012 إلى حقيقة مؤكدة لا تحتمل الرفض ولا تقبل النقض.

كنت في اليوم السابق مسافرًا من “الرياض” إلى “عمّان”، واستأجرت سيارة من المطار، وفي نيتي السفر إلى “القاهرة” بعد 48 ساعة، إذ كنت قد حولت وجهتي فجأة لأمر عبر “الأردن” وأرى والدتي. قدت السيارة حتى جبال “عجلون” عابرًا غاباتها الخلابة، ومستمتعًا بأواخر أيام الربيع وخضرته المنعشة. وفي الطريق هاتفت صديقًا أفيده بوصولي، فاقترح أن يأتي مع ثلة من الأصحاب إلى بيتي الريفي المطل على وادي النوم، لأعرض لهم آخر تطورات نظرية التمتين وآخر ما كتبته فيه.

يقول المتطيرون بأن يوم الجمعة عندما يصادف الثالث عشر من أي شهر، يكون يوم شؤم. وكان سهلاً أن أصدق المتشائمين، عندما استيقظت صباح ذلك اليوم أكاد لا أرى شيئًا. نظرت من النافذة إلى الوادي العميق، فلم أر إلا آفاقا مرتشعة وصورًا مشوشة. غسلت وجهي بالماء البارد، ثم الساخن، ولم أر شيئًا. كنت أعرف أن قدرة الإبصار في عيني اليسرى لا تتجاوز 15%. وعندما أغلقتها اسودت المرآة، وخيم ظلام دامس ملفوف بزرقة داكنة. فأدركت أن عيني اليمنى أصبحت خارج الخدمة. فهل كان يوم الجمعة مشؤومًا حقًا؟

العكس هو الصحيح! في ذلك اليوم جلست إلى والدتي، واستمتعت بصحبة أهلي وأحبائي وأصدقائي، وحمدت الله أنني رأيت كل من وما أحب. حمدت الله لأن انفصال شبكية العين لم يحدث إلا بعد العودة إلى بلدي بساعات، ولأن كتيبة من الأصحاب راحت تبحث لي عن أفضل طبيب عيون في “الأردن” حتى وصلت إلى الدكتور “أحمد حسونة”، ولأنني قدت سيارتي في اليوم السابق على سفوح الجبال وبين الأودية والشعاب دون أن أتعرض لحادث لم أكن لأدرك سببه. أما أكبر النعم فهي أن يحدث كل هذا وأنا في أحضان والدتي، بدلاً من غياهب الغربة.

صباح هذا اليوم، وبعد إجراء العملية بثلاثة أسابيع، ضحكت لأنني كسرت فنجان القهوة فارغًا وقبل أن أملأه. ويوم أمس، ابتسمت لأنني سكبت الشاي خارج الكوب، وكان هذا أول مؤشر على نجاح العملية. فأن أرى الأكواب والفناجين ولو أقرب قليلاً مما أظن، يعني أنني صرت أرى. وعندما اتصل بي أحد أبناء العمومة متسائلاً إن كان يمكنه التبرع لي بشبكية عينه، قلت له مازحًا: “هذا مستحيل، فالشبكية ملتصقة بالمخ، ولا أقبل أن أضع مخك مكان مخي.” وضحكنا وكأننا نشاهد مسرحية “الآن فهمتكم.”

عندما يخبرك الطبيب بأن قوة إبصارك هي 15% فقط من عينك اليسرى، وأن العملية الجراحية التي أجريتها في العين اليمنى من أكبر وأخطر عمليات العيون، فهذا يعني أنك فقدت 85% من بصرك، لكنك لم تفقد شيئًا من بصيرتك. فما دمت تملك بصيرة نافذة، وموقفًا سلوكيًا إيجابيًا تجاه ما حدث، وما يمكن أن يحدث، فإن الخمسة عشرة بالمائة تصبح في منظورك مائة بالمائة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ففيها ترى النور، وترى الناس، وتعيد رسم الواقع وتشكيله وتلوينه لتخرجه أجمل مما كان.

وها أنذا اليوم أكتب مقالي بطريقة اللمس، وبنفس سرعتي المعهودة، لأنني تعلمت الضرب على الآلة الكاتبة منذ صغري. وأخاطب زملائي وأصدقائي بالصوت والصورة عبر “سكايب” دون أن أضطر للقراءة. وطلبت من الجميع أن يكتبوا لي بخطوط كبيرة لا تقل عن بنط (18). وأخبرني صديق حميم بأن في الويندوز خاصية تكبر كل شيء، فتحولت شاشة الكمبيوتر إلى “آيباد” كبير. لكن التكنولوجيا ليست هي الحل. فالموقف السلوكي والنظرة الإيجابية هما كل شيء.

التفكير الإيجابي هو الذي جعلني أتذكر قانون “باريتو” لأطبق (مبدأ القلة القوية والكثرة الضعيفة) على أفكاري وإبصاري. فعندما تفقد 80% من أي شيء (الكثرة الضعيفة) تصبح الـ 20% الباقية (القلة القوية) هي كل ما تملك؛ فهي تساوي 100% بالنسبة لك ولنمط حياتك الجديد. الموقف السلوكي الإيجابي أهم من الحقائق المجردة، ومن الماضي والظروف، بل هي أهم من النجاح نفسه، ومما يراه الآخرون ومن المواهب والمهارات، ومن الاحتمالات والأمنيات. لقد ذهب الماضي وانتهى، ويبقى المستقبل دائمًا قادمًا بكل تحدياته ومعادلاته. ومن يستطيع أن يجعل العشرة تساوي مائة، يستطيع أيضًا أن يبتسم وهو يحتضن اللحظات التي كانت تظنه قد يبكي.

 

نسيم الصمادي

رسالة “التمتين” إلى كل الناس..

    جربوا النمو و التطوير .. لا التغيير

هذا مقال في غاية الأهمية.. أرجو مشاركة كل أصدقائكم به، ولفت نظر الجميع إليه..

استكملت الشهر الماضي (مارس 2012) العناصر الأساسية لنظريتي الخاصة بالتنمية البشرية والتي أطلقت عليها عام 2007 نظرية التمتين.  فبعد خمسة أعوام من الأبحاث والدراسات والقراءات المركزة، والتفكير العميق في هذه النظرية التي أرى فيها حلاً لمعظم مشكلاتنا الإدارية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية والنفسية، استطعت أن أثبت صحة النظرية، وأساسها العلمي، وأن أضعها موضع التطبيق.

فما هي قصة التمتين؟  ولماذا يجب أن نمارسه ونطبقه في كل مناحي حياتنا؟

عملت عام 1977 في معهد الإدارة العامة في “الرياض”، فبدأت علاقتي بالإدارة والتدريب والتنمية البشرية.  وعلى مدى 35 عامًا عكفت على القراءة والبحث والترجمة والتأليف؛ وفي عام 1990 أصبحت مديرًا لمركز تدريب في “جدة”، واستمرت علاقتي بالتنمية البشرية والتدريب منذ ذلك الحين.  وكان مما لاحظته عبر مسيرتي البحثية والمهنية أن قلة من برامج التدريب ومحاولات تغيير سلوك الناس تلاقي نجاحًا، في حين يمنى معظمها بالفشل.  وكنت دائمًا أسأل: لماذا؟

شاركت متدربًا في عشرات البرامج وورش العمل، ولم أتغير.  وقدمت مئات برامج التدريب وورش العمل في عشر دول عربية، وأعترف بكل شجاعة أنني أثرت في كثيرين، لكنني لم أغير أحدًا.  وعندما يخاطبني بعض الأصدقاء والعملاء والزملاء ويعترفون بأنني دفعتهم إلى اتخاذ قرارات مصيرية في حياتهم لأنهم تغيروا، أقول لهم بكل أمانة، بأن ما حدث هو تأثر وتطوير واستثمار لقدرات وملكات ونقاط قوة كانت موجودة وكامنة لديهم، وليس تغييرًا في السلوك كما يدعي المدربون والأخصائيون في مجالات الموارد البشرية وعلم النفس والتعليم.

اسألوا خبراء التغيير والإبداع والجودة والقيادة أنفسهم: ماذا غيرتم في أنفسكم؟  والإجابة دائمًا لا شيء، أو لنقل: أقل من القليل.  فلا يستطيع أحد أن يدعي أنه غيّر أو تغير. لكن هذا لا يعني أن التغيير مستحيل.  التغيير ممكن في النفس البشرية الداخلية تفسيرًا لقوله تعالى: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.” وهذا دليل على أن التغيير صعب، ولكنه ممكن.  فقد أثبت العلم من خلال تصوير المخ أن أي تغيير في السلوك يلزمه أو يزامنه تغيير داخلي في خلايا المخ.  وتغيير المخ يحدث كل لحظة عبر عمليات النمو والنضج والتطور، ولكنه مكلف ماديًا ونفسيًا، ويمكن أن يتحقق بالصدمات المفاجئة، والإفادة الراجعة المتواصلة، والاستبصار والفهم العميق المفاجئ، والنظر للأمور من زوايا متبدلة ومعاكسة.  ولذا، فإن ما نستثمره في التدريب والتعليم والإعلام لتغيير السلوكيات والاتجاهات، يحدث تغييرات طفيفة، ولكن تكاليفه مخيفة.

لقد طورت ما أطلقت عليه حتى الآن (سلم التغيير المتدرج)، وهو سلم تصاعدي لصعوبات التغيير يشبه هرم “ماسلو” ويشبه قوس قزح في تدرجه وتركيز ألوانه.  ووفقًا لمعطيات السلم فإن التغيير يتدرج لدى كل الناس في صعوبته نزولاً من الأسهل إلى الأصعب.  فتغيير المعارف والمعلومات سهل، يليه إمكانية تحسين المهارات، يتبعه في الصعوبة تبديل العادات، ثم استبدال وإحلال القيم، حتى نصل إلى المواهب التي يمكن تطويرها دون تغييرها، أما الدوافع الذاتية والداخلية فتغييرها شبه مستحيل، ولا يتم إلا داخل المخ، ويحتاج لأوقات طويلة واستثمارات علمية ومالية وبشرية هائلة.

مع اكتشاف منهجية التمتين أدركت أننا لسنا بحاجة إلى تغيير كبير.  وفي بعض الشخصيات وفي كثير من الحالات لا نحتاج أن نغير أحدًا.  والسبب أن كلاً منا ميسر لما خلق له.  ولأن قيمة كل امرئ ما يحسنه. كما أن لكل منا بصمة ذكائه الخاصة مثل بصمة يديه وبصمة عينيه.  والسؤال هنا: لماذا نغير ما خلقه الله مختلفًا؟

لقد خلقنا الله مختلفين.  والتغيير من خلال التعليم والتدريب المتشابه يخلق التماثل والتشابه.  وهذا ما ينتج طلابًا وموظفين ومديرين ضعفاء وعاديين ومتشابهين.  المطلوب هو أن نحافظ على الاختلاف والتنوع والتفرد والتجدد والتعدد من خلال تمتين نقاط القوة المختلفة في كل منا، بدلاً من العزف على أوتار التشابه الضعيفة.

ما أراه طبقًا لنظرية التمتين الجديدة، هو أن الاختلاف أغنى وأثرى وأعلى وأعمق من التشابه.  ولهذا قلت: “لماذا نبحث عن المفقود ونترك الموجود؟”  فما دام لكل منا سمته وبصمته وقوته، فلماذا نعيد خلق الذي قد كاد يكتمل؟  هذا فضلاً عن أن التغيير والتطوير والتدريب والتجريب لم ولن يحقق النتائج المرجوة مقارنة بالتكاليف.

بعدما استكملت أركان التمتين، ووضعت أدواته، وبعد تفكير عميق، قلت: “كل من يحتاج للتغيير لا يستطيعه، لأنه لو استطاعه لما احتاجه.”  بمعنى أننا دائمًا نحاول التغيير ونستثمر فيه على الدوام، لأن كل محاولاتنا السابقة لم تؤت أكلها.  ومن ثم فإن العائد على الاستثمار في التغيير والتدريب والاستشارات يبقى ضعيفًا وأقل من حجم الاستثمار، ما لم ننظر له من زاوية التمتين.  فالتمتين يعني أن نستثمر فيما هو جميل ونبيل وقوي وإيجابي وموهوب وجيد ورائع ومعطاء.  التمتين لغة هو (تقوية القوي) واصطلاحًا (هو وضع كل إنسان وكل فعل وكل شيء في مكانه المناسب).  وهذا هو التغيير الوحيد المطلوب، وهو ليس تغييرًا في الناس، بل تغيير للناس.  فأعظم تغيير في العالم هو ما يريده الناس ويطلبونه ويستطيعونه؛ وهو البناء على أساس قوي ومتين وجميل ونبيل وسليم وصحي ومعافى.

 إلا أن تطوير المنهجية لتفعيل النظرية لم يكن سهلاً.  كان لا بد من صياغة معادلة ورسم مصفوفة قوية ومرنة ودقيقة وتفاعلية ومركبة، تمكن كل فرد من اكتشاف معادلة قوته ومنظومة أدائه السلوكية النموذجية.  لقد أعدت النظر في مصفوفة العادات السبع لـ “ستيفن كوفي” فوجدتها تهدم نفسها من الداخل.  فقد قال عندما أطلقها قبل ربع قرن بأن العادات السبع متكاملة وشاملة ومتدرجة ولا يمكن الإضافة إليها.  وعاد بعد 15 عامًا من إطلاقها وأضاف العادة الثامنة وطلب من كل إنسان ينشد العظمة والتميز والتأثير في الآخرين؛ أن يكتشف صوته الداخلي، ويلهم الآخرين ليكتشفوا أصواتهم.  وفي هذا أتفق مع “كوفي” في أهمية أن يعمل كل منا على اكتشاف صوته، والصوت الداخلي هذا؛ هو ما أسميه (موطن القوة) أو نقطة القوة.  وهو مزيج مركب ومعقد من المهارات والمعارف والدوافع والنوازع والمواهب والقدرات.  ومنطلق اتفاقي معه هو أن لكل منا نغمة صوت مختلفة، مثل سمة وبصمة الذكاء المختلفة.  ولكنني أختلف معه في فعالية ومنطقية إلهامنا للآخرين.  فما يستطيع أن يلهمنا هو صوتنا الداخلي فقط. وليس أصوات الآخرين القادمة من الخارج.  النداء الداخلي هو المسموع فقط، وما عداه يخضع للفلترة والتنقيح والتصحيح والتحوير والتشفير، ويواجه حوائط صد مرتفعة، تشبه الحوائط النارية التي تمنع الفيروسات من اختراق نظم المعلومات.

طبقًا لنظرية التمتين فإن من يحاول تغيير الناس يشبه من يبني قصرًا فيهدم مصرًا؛ أي يبني بيتًا فيدمر إقليمًا، أو يشيد مصنعًا فيدمر البيئة.  وهذا ما ينطبق عليه قول الشاعر: “كناطح صخرة يومًا ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل.”  ولقد أبدعت العرب في التعبير عن فكرة (التمتين) شعرًا ونثرًا، ومن حكمهم وأمثالهم وأشعارهم قولهم:

 * “دلائل العشق لا تخفى على أحد.. كحامل المسك لا يخلو من العبق.”  ففي داخل كل منا روح وبوح، لا بد أن يعبر عنها.

* “أضعت شاة جعلت الذئب حارسها.. أما علمت بأن الذئب حراس.”  فالذئب مفترس وعنيف ولن يكون حارسًا أمينًا.

* “ومن يجعل الضرغام بازًا لصيده .. تصيده الضرغام فيما تصيدا.”  فكيف تريد للأسد أن يكون صقرًا أو طائرًا أو بازًا تصطاد به؟

ومن أمثالنا المشهورة:

* السَّرْج المُذهَّب لا يجعلُ الحمار حصاناً.

* استنوق الجمل.

* الذي لا يعرف الصقر يشويه.

* يدع العين ويطلب الأثر.

* يدهن من قارورة فارغة.

* يذبح الطاووس لجمال ريشه.

وكل ما سبق من أمثال يؤكد أن السليقة قوية، وأن الطبع يغلب التطبع، وأننا عندما نخالف الفطرة، نحصل على النتيجة التي نبتغيها معكوسة.

 عرفت مصفوفة (العادات السبع) في كل دول العالم، وترجمت إلى كل اللغات الحية، وتدربت عليها كل المؤسسات والهيئات، وقرأ كتبها وسمع تسجيلاتها معظم الناس.  وما إن انتهينا منها حتى وقعت الواقعة، التي أطلقنا عليها “الأزمة المالية العالمية.”  وهي في حقيقتها أزمة عطاء وأداء وانتماء وعدم ولاء، وداء لا دواء.  أما حلها فهو وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، بناء على قدراته وملكاته ورغباته ومهاراته، بدلاً من شهاداته وخبراته وعلاقاته.

 العادات السبع هي:

* كن شخصية مبادرة:  والمبادرة تحتاج إلى عدة نقاط قوة منها: المبادرة نفسها، مضافًا إليها الثقة بالنفس والمخاطرة وتحمل الضغوط.

* ابدأ والنهاية في ذهنك: وهذا سلوك يحتاج إلى عدة قدرات منها: الاستهداف والتخطيط والرؤية والنظرة البعيدة.

* ضع الأولويات أولاً: وهذه عادة تحتاج إلى قدرات إدارة الوقت والتنظيم والمرونة والتخطيط أيضًا.

* فكر من منطلق ربح/ربح:  وهذا السلوك يحتاج إلى التعاون وروح الفريق والذكاء العاطفي والتفكير الإيجابي.

* حاول أن تفهم قبل أن تفهم (بضم التاء): وهذا السلوك يحتاج إلى مهارات اتصال وجاذبية ومرونة وتركيز وضبط النفس.

* تفاعل واندمج مع الفريق: وهذه عادة تحتاج إلى روح الفريق وذكاء عاطفي ومرونة وضبط نفس وحضور ذهني ومهارات يدوية أحيانًا.

* اشحذ المنشار: أي تجدد وواصل تحسين عاداتك وممارسة نشاطاتك، محاولاً إحداث نوع من التوازن في حياتك.  وهذا يحتاج إلى قدرات التعلم المستمر والذكاء العاطفي والتفكير الإيجابي والاستراتيجي، والتخطيط والذكاء التنفيذي الذي ابتدعه “كوفي” في العادة الثامنة.

 الناس لم ينصاعوا لنداءات “ستيفن كوفي” ولم يصبحوا فعالين، والموظفون لم يصبحوا مثاليين، والقادة لم يتحولوا إلى مبدعين، لمجرد فهمهم للعادات السبع والتدرب عليها.  لماذا؟  لأنها عادات وهم لا يستطيعون تغيير ما في أنفسهم بسهولة؛ بل يحتاجون إلى جهاد طويل، وأشق جهاد هو جهاد النفس لذاتها.  كل عادة من العادات السبع هي سلوك ناتج عن مجموعة من السمات والقدرات والمواهب.  ومن لم يمتلكها بداية، لن يمتلكها نهاية، لا بالتعليم ولا بالتدريب ولا بالتجريب ولا بالتطريب ولا بالاستشارات ولا بالمحاضرات.

 والمشكلة التي تواجهنا هنا هي أن الالتزام بمنظومة العادات السبع لتحقيق الفعالية يتطلب أكثر من 15 قدرة ونقطة قوة.  وإذا ما حاول أي إنسان التدرب عليها وتطويرها واستنفارها واستثمارها فسوف يتحول إلى “سوبر مان” إذا ما أتقنها وتمكن منها.  ولأن هذا مستحيل عمليًا وواقعيًا، فإن ما يحدث هو أن من يمارس العادات السبع كاملة، يتحول إلى إنسان مسطح وإلى شخصية سطحية، لأنه يصبح مثل الطاووس الذي حاول تقليد الغراب، ومثل الأرنب الذي حاول تعلم السباحة.

 يتحول الإنسان الذي يحاول التمكن من كل المهارات والسيطرة على القدرات، والتمتع بكل الخبرات إلى “بطة” ضعيفة سهلة المنال.  فالبطة تسبح وتطير وتركض وتقفز، ولكنها لا تتقن أيًا من تلك المهارات بشكل استثنائي يميزها عن غيرها.  فهي لا تطير كالحمامة فما بالك بالصقر، ولا تعوم كالسمكة، فما بالك بالتمساح، ولا تركض كالقط، فما بالك بالنمر، ولا تقفز كالأرنب، فما بالك بالغزال.

نسيم الصمادي، صاحب نظرية التمتين ومؤسس ورئيس تحرير موقع إداره.كوم وفيلسوف إدارة وتنمية بشرية.

لئلا يعود هارون الرشيد، عبد الله القصيمي

تعرفت على اسم عبد الله القصيمي المفكر السعودي الذي بدأ حياته داعيا قبل أن يخرج عن الأفكار التي حملها من خلال قراءتي لكتاب حول فيلسوف التشاؤم الفرنسي الروماني الأصل إميل سيوران ومنذ ذلك الوقت بحثت عن كتبه لأحاول أن أتعرف على روائع ما تركه هذا الفيلسوف الذي شغل التاريخ العربي الحديث، وهذا الكتاب (لئلا يعود هارون الرشيد) واحد منها.
لئلا يعود هارون الرشيد هو عبارة عن مجموعة من المقالات تناول فيها القصيمي عدة أمور من بينها علاقة المواطن العربي بالحاكم الذي يراه مستبدا وظالما وهو ما استمد منه عنوان الكتاب حيث يتخوف من أن تصبح الدول العربية كتلة واحدة فيحكمها قيصر واحد يمارس الطغيان على شعبه. إضافة إلى تناوله موضوع الصراع العربي الإسرائيلي حيث يلخص رأيه في أن إسرائيل لن تبقى قائمة وإنما سيأتي اليوم الذي تزول فيه معطيا شروحاته حول ذلك. كما يولي القصيمي أهمية لحرية الفكر والرأي ويرى بأنها في الوطن العربي مجرد شعارات لا تغني ولا تسمن من جوع فإذا كتب كاتب موضوع معين حول الدين انقلب الكل ضده. وهو كما هو معروف الذي عانى طويلا من اضطهاد المثقفين والسياسيين بسبب أرائه في الدين و الوجود و السياسة ..الكتاب ملحق ببعض الحوارات التي أجريت مع القصيمي وأراء المناهضين له. ولا يخلو هذا الكتاب كغيره من كتب القصيمي من السخرية و التي وفي بعض الأحيان وان تجاوزت حدود إدراكنا إلا أنها تعبر عن شخصية الرجل الذي شغل الكل أثناء حياته و بعد موته.

الكتاب: لئلا يعود هارون الرشيد

المؤلف: عبد الله القصيمي

الناشر: منشورات الجمل

الكتاب على نيل وفرات