قراءة في رواية نعاس لـ هاروكي موراكامي

نعاس هاروكي موراكامي                                                                                                              

انهيت لوقت متأخر من الليل، النوفلا (الرواية القصيرة ) المسماة نعاس لهاروكي موراكامي.. أصبحت هناك مجموعات وصفحات مميزة في الشبكات الاجتماعية، مدونات رائعة تستبق للجديد والماتع والرائع فضلا عن هذا.. أعجبني أولا تلك المجموعة الشابة التونسية التي نشرت القصة إذ أخذت على عاتقها تقديم الأدب العالمي الماتع (الممتع) للناشئة والشباب بأسعار معقولة ..هذا أولا هو شيء مهم ورائع وأحيي كل من أوصل لنا كل هذا ..

أما فيما يخص الرواية ككل.. فلنبدأ برحلتي مع هاروكي موراكامي.. مع الأدب الياباني ككل كانت بداياتي مع (التاريخ السري لامير موساشي) .. الحقيقة أن هذا الكتاب مميز جدا.. ثم قرأت ياسوناري كاواباتا.. قصتان أو روايتان ثم سازوكي في رائعته التي أذهلتني (بوتشان) .. لذا فإنني جربت أن أقرأ (كافكا على الشاطيء) وذهلت من براعة هاروكي. بكل نزاهة لم أكن أعرف أي شيء عن هاروكي.. لذا فالرواية لما دخلت فيها عدة تقاطعات بدأت أشعر بالملل.. الكلام عن الملل لدى عشاق هاروكي موراكامي يشبه التجديف على الرب لدى المتدينين.. لكن فعلا.. في بدايات تعرفي عليه شعرت بذلك.. لذا هناك (فكرة) مهمة جدا مميزة أشار لها بورخيس هو أننا نقرأ لشخص ولا نقرأ كتابا وكفى.. فمثلا لو كان هناك عمل ما لشخص ضعيف ووضعت عليه اسما كبيرا ولم يفطن أحد فالغالب الأعم (ما عدا النقاد النحارير الواصلين) سيقول أن الرواية رائعة وعظيمة.. وروي في الأدب العربي مثل هاته القصة أي أن أحدا كان متعصبا لشعراء الجاهلية ويكره المولدين (وهم شعراء أبناء الاسلام) فأنشد له أحدهم بيت شعر لمولد فاستحسنه ومدح براعته فقال له هذا من شعر فلان المولد فقال والله أن الضعف بادي فيه!!. هذه طبعا مكابرة وعناد والكثيرون من القراء المرتبطين بكتّاب يعميه حب الكاتب عن فهم الأعمال جيدا .. قلنا أن هذا ما يقع كثيرا مع القراء.. لكن من البداية حتى لو كان أول لقاء لك مع هاروكي ستعرف ان هناك شيئا .ان هناك خيط عبقرية ان هناك المعية في الطرح والتوزيع والسرد وكل شيء ..
ولنبدأ في كلامنا على (نعاس) النوفلا التي تكلمنا عنها.
لا داعي -والقصة قصيرة وماتعة جدا- أن أفسد أي شيء ..لكن قصص هاروكي ككل (و حكمي هذا إنما نشأ عن قراءات لمقالات (مقالين لهاروكي، رواية كافكا على الشاطي، نعاس، بلدة القطط جزء قصير من روايته الضخمة 1q84، سامسا عاشقا (نوفلا صغيرة في النيويوركر) فحكمي بارز عن قراءاتي لهذه الأعمال فقط. حكايا هاروكي سهلة بسيطة لكن حبكتها سوريالية (فنتازية) هذا أمر واضح لكن تبدأ بالواقع ثم فجأة تكون في الخيال دون تدرج (هذا ما يخيل للقراء العاديين) لكن هناك تدرج كبير في الكتابة ..فلا ننزعج مثلا من الحبكة التي تجمع بين الواقع والخيال بل يبدو لنا الأمر واحدا ومتماسكا.. وهنا تكمن براعة هاروكي.
هاروكي في مقابلة له مع جريدة ألمانية أثبت أن بعض قصصه رواها له رجل كان يراه بوضوح في مكتبه. الأمر جنوني بالنسبة لي، لكن هناك الكثير من الهلاوس التي يعاني منها الكتاب فعلا.. فرجينيا وولف، كافكا، جيمس جويس، بول اوستر .. هناك مرحلة يكون الكاتب قد صدق نفسه (وهو يقول أنه اُلهم وليس ابتكر) في حكاياته فيعيشها فعلا وكأنها وقعت أو دعنا نقل يعيد صياغة بعض القصص الحقيقية وهم يبررون ذلك بقولهم من يعرف الواقع على ما هو عليه فعلا ؟؟ لا أحد، لا يمكن، أنت أصلا لما تتذكر لا تتذكر إنما تعيد صياغة الذكريات في ذهنك فهو ليس تذكر إنما إعادة تشكيل في الحاضر لماضي لا نعرف أبدا الذي وقع فيه على حقيقته. (الفكرة الأخيرة لميلان كونديرا) لذا فالقليل من التشويه يقول الكتّاب لن يضر أحدا !! لأنه لا يعرف أحد حقيقة الواقع القابع أمام أعيننا.
على كل تقاطعات كتابات هاروكي مع سيرته الذاتية واضح جدا للعيان وهذا يعطيها مصداقية وروعة وقوة سبك وسرد مثلا ممارسته للسباحة (تظهر في نعاس وكافكا على الشاطيء)، مطالعاته المكثفة (كافكا على الشاطيء ونعاس)، الأماكن والموسيقى والفنانين المذكورين والكتاب كلهم حقيقيون ونابعون من قراءات المؤلف.. وهذا ممكن أن يعيب على الرواية قليلا اذ ان النقاد لا يحبون ان يتسرب شيء من قراءات الكاتب الى شخصياته.. المشكل في الكتابة السردية بقلم شخصية ما أنه يفترض فيها أنها تكتب باعتيادية بالغة.. لكننا نرى الشخصيات الروائية تكتب بروعة روائي كبير!. وهذا خطأ فني كبير .. تظهر لك في الروايات دوما رسائل مكتوبة بصيغ ممتازة كأن الشخصيات نفسها متمرسة على الكتابة بشكل رائع وكبير.. تتحدث عن نفسها بكل أريحية وتجلب استعارات بلاغية لا يفطن لها الا عبقري (مثلا وصف الزوجة لنوم زوجها المضحك في رواية نعاس، ووصف هوشينو للألم الذي حل به من جراء قيام ناكاتا بعمل ماساج لظهره) هذان الوصفان بلاغيان ورائعان لدرجة ان عاميا لن يكون باستطاعته صياغته أبدا.. هنا يتغلب الدكتور سالنجر في الموضوع رغم انتاجه القليل جدا.. روايات أو لنقل روايته اليتيمة، سالنجر تتكلم الشخصيات بكل طبيعية فعلا وبغير افتعال لقراءات ضخمة ولا تكلم بسلاسة كتابية لا تتكون الا بعد مراس شاق على الاعمال الكتابية التي لا يمكن لشخصيات عادية ان تفتعلها ..
في زوايا رواية نعاس تقرأ بطلة القصة التي تتكلم بضمير المتكلم وتكتب القصة ..القصة ذات صوت احادي لكنه شمولي كعادة هاروكي، في هذه الرواية تقرأ البطلة رواية تولستوي آنا كارنينا.. وأنا قرأت الرواية وأثرت في تأثيرا بالغا لدرجة أني لم اقرأ تولستوي لاحقا أبدا حتى استجمع قواي .. اذ ان آنا كارنينا مرعبة من ناحية القوة .. وبما انني قرات عنها عدة مقالات فاني عرفت ان تولستوي في مذكراته تحدث على ان الكثير من حياته صيغ هناك .. آنا كارنينا دون نقاش هي قطعة ادبية ذهبية دون الحاجة لحكمي هذا عليها ..هاروكي قدم قراءة مميزة للرواية ..وابدى لنا تفاصيل ربما تغيب عنا لسبب واضح هو انه قرأها اكثر من مرة وعلى مدى سنوات ..لذا فلفهم نعاس بشكل جيد للاسف يجب عليكم قراءة انا كارنينا لتولستوي مهما كان . هناك عدة تقاطعات وملاحظات وامور في القصة منها : وصف الحياة الرتيبة لربة بيت يابانية عادية ( الحياة هي الرتيبة اما وصف هاروكي فممتع ..غالبا ما يرى القراء كلمة رتيبة حتى يهرب من الكتاب .. المشكل ليس في القصة ..قصص دوستويفسكي كلها كما يقال تجدها في أي جريدة يومية .. لكن انى لك باسلوب القص الخاص به ؟؟ هنا مربط الفرس كما يقال).  وصف المشاعر والاحداث بدقة كبيرة جدا ..لدى الروائين مجهر روائي عظيم ودقة ملاحظة وذاكرة كبيرة . التحدث عن الحياة العامة لطبيب اسنان الذي هو زوج ربة البيت .. وقد لخص الامر ببساطة في جملة ( وهذا ما يسحرك في الروايات ..) فبعد ان اقترضوا ليفتحوا عيادة ورغم ان الامور تسير على ما يرام الا انه قال لها .. (تقترض لتشتري الات جديدة لتربح الزبائن ثم يمضي القليل من الوقت حتى تشتري اخرى ولا يستفيد الابائعوا الالات !) يبدو كلاما عاديا جدا لكنه في سياق القصة مميز للغاية . و ثم هناك الحادث الغريب الذي هو حبكة الرواية والذي لن ارويه هنا لانه لا فائدة من فعل ذلك ..وهناك قراءة البطلة لرواية تولستوي (عادات القراءة ) وصف كيفية القراءة بشكل دقيق .. الرواية تنتهي نهاية مفتوحة .. لكنها تذكرك ان كنت قرأت بول اوستر برائعته ليلة التنبؤ ..اذ هي رواية عن كاتب يكتب رواية في الرواية الداخلية هناك شخصية تحتجز في قبو محكم الاغلاق ولا يتمكن الكاتب الذي هو شخصية في رواية بول اوستر من اكمال القصة لاخراجه .. اظن ان هذا ما وقع لهاروكي موراكامي وهذا ما جعله ينهي القصة بطريقة مفتوحة كهذه .هذا ما لدي لقوله حول هذه الامور… سلام.
قراءة ل/ يونس بن عمارة
نشر الموضوع هنا أيضا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s