سيرة الجوع

…الجوع هنا لا يؤخذ بمعناه الأشمل: فلو كان مجرد جوع إلى طعام لكان التعامل معه أيسر مثالا. ولكن هل هذا النوع من الجوع موجود حقا ؟ هل يوجد جوع هو فقط جوع البطن وليس مؤشرا على جوع أعم؟ فالجوع يعني في نظري تلك الحاجة الفظيعة التي تمس الكائن كله، ذاك الفراغ الآسر، وذلك التوق لا إلى الامتلاء الطوباوي بل إلى تلك الحقيقة البسيطة: فحيث لايوجد شيء، أتطلع لأن يكون ثمة شيء

حاليا أقرأ بيوغرافيا الجوع ، أول ما خيل لي أن الكاتبة تحكي عن سيرتها وصراعها مع الشره “La boulimie” .. -هل يحدث لأحدكم أن يحمل كتابا ثم يتخيل له سناريوهات كثيرة عن المواضيع التي قد يتطرق لها ابتداءا بما قد يوحي إليه العنوان- ثم تغيرت الصورة التي تخيلتها حين قرأت مراجعات الكتاب للأعضاء في الغودريدز
كنت أعود كل حين لآخر الكتاب لأقرأ “الجوع هو أنا” .. قرأت الكتاب ببطء شديد خوفا من أنهيه بسرعة وأجد أن الجوع قد سكنني.

سيرة الجوع

أظنه الجزء الثاني لسيرة آميلي رغم أنه كتب على غلافها رواية ، الأول هو “Métaphysique des tubes” ولا أظنه قد ترجم للعربية بعد
أشعر بجوع شديد لقراءة كل ما قد كتبته آميلي فعناوينها مغرية ومشاهدة صورتها قد تزيد فضولك لا أدري إن كان السبب جمالها أم غرابتها؟.

أنهيت قراءة هذا الكتاب و أظنني في الأخير اقتربت نوعا ما -بتكهني- من الحقيقة، حقيقة أن الكاتبة صارعت الجوع أو لنقل نقيضه حيث أنها عانت من فقدان الشهية المرضي “l’anorexie”. أحببت هذا الكتاب جدا، أحببت الزاوية المختلفة والخارجة عن المألوف التي نظرت بها الكاتبة للحياة والأشياء من حولها، أحببت آخر سطر من الحوار والذي ختمت به حديثها/كتابها : ” ما المحزن في الأمر ؟ مازلت على قيد الحياة” . أريد أن أعتبر الكتاب سيرة لها بدل اعتباره رواية لأنه جعلني أرتكب حماقتي حين أقرأ سيرة أحدهم وهي أني أعقد مقارنات بين حياتي وحياة من أقرأ وآخذ باسترجاع ذكريات دفينة من عمري الفائت.
أحببت حديثها عن ولعها بالقاموس والأطلس، حبها الصادق لمربيتها اليابانية ولليابان الذي اعتبرته وطنها. افتتانها بأمها ، بأختها وبمربيتها البلجيكية ..حديثها الساخر وكيف كانت تقدم نفسها للضيوف على أنها باتريك (والدها)، شرهها تجاه الماء والسكاكر والشراب، حبها للقراءة. حديثها الممتع عن نيويورك.. آلمني حديثها عن مشهد اغتصابها وكيف صورته ببرودة وكأنه لوحة سوريالية. يا إلهي أيما متعة رافقتني حين قراءة الكتاب و ذلك الشعور المتزايد بالنهم و الرغبة الملحة لقراءة كل ماكتبته اميلي هذه الغريبة الأطوار التي اختصرت سيرتها بسيرة للجوع.

أغنية جميلة عن آميلي

الكتاب على غودريدز

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s