لبيك، حج الفقراء. مالك بن نبي

اسماعيل قاسيمي.
ربما تدهش إذا رأيت عنوانا لرواية، وأسفلها اسم الكاتب “مالك بني نبي” لأننا لم نعرف عن المؤلف المفكر أنه كتب في الأنواع الأدبية هذه، أنا أيضا اندهشت حينما وجدت العنوان بين رفوف إحدى المكتبات، حملته مباشرة لأشتريه بدون تفكير، بل حبا في الإطلاع على كيف يكتب مؤلفنا رواية، وأي معان يريد أن يوصلها إلى القارئ بهذه الطريقة الأدبية التي ستكون جميلة بالتأكيد.
لا تندهش، فالرواية رغم أنها نشرت سنة 1947 باللغة الفرنسية، إلا أنها لم تترجم ولم تنشر مرة أخرى، إلا سنة 2009، حين رعاها الدكتور زيدان خوليف حق رعايتها فترجمها إلى العربية، وتكفل عمر كامل مسقاوي بنشرها (دار الفكر-دمشق) وهو من تلاميذ مالك بن نبي ويعتبره أباه الروحي، فعمل الإثنان على نقل إحدى أمانات مفكرنا إلى العالم في إطار النهوض بأمتنا الإسلامية إلى الأمام وقيادة العالم نحو ما هو خير لها.
يعترف صاحب الرواية في رسالة له أول الكتاب أن هناك أخطاء تقنية قد لا يكون هناك مفر منها خصوصا وأنه كتب القصة في عجالة، في غرفة فندق بين سفرتين متقاربتين جدا، ولكن هذا يبرز قدرته العالية على الكتابة خصوصا عندما تقرأ الرواية وتتلمس أحاسيس ومشاعر فياضة بها ومعاني عميقة عمق الفكر الذي يحمله مالك بن نبي.
وخصوصا حين نجد في الرواية سلاسة عظيمة في الأسلوب تترك تتتبع القراءة بنهم لا تستطيع عنه التوقف، عدا عن ذلك التشويق الذي ميزها حيث تذهب بك الأفكار إلى أين يريد الوصول، ثم هي المشاعر تلعب على أوتارها كلمات بن نبي وعباراته، بين تلك المشاعر الإيمانية التي تدمع لها الأعين، وكذلك تك الدعابات والنكت التي حملتها الرواية والتي عبرت لي في كثير من الأحيان عن هذا المجتمع وطيبته وبساطته وتلقائيته المعتادة.

وفعلا جاءت بداية الرواية التي ترسم عمق الروح الجزائرية وشخصيتها المنتمية إلى تراث الثقافة والحضارة الإسلامية كما قال مالك بن نبي تعرف القارئ الأجنبي بشعيرة الحج وفضلها في المجتمع المسلم، ويعرف أيضا بالفلكلور الجزائري، والعادات والتقاليد في هذا البلد، وخصوصا الذهنية الجزائرية في تعاملها مع أعظم شعيرة في الإسلام، وأكبر النسك التي يتقربون بها إلى الله وتترك فيهم من آثارها الروحية العظيمة، ما يجعل كل الناس تحترم الحاج.
تروي الرواية قيمة الحج في نفوس المسلمين عامة، كبيرهم وصغيرهم، غنيهم وفقيرهم ، القادر منهم والضعيف على حد سواء، لا أحد يرفض التفكير به من منطلق عدم القدرة، بل الكل طامع في رحمة الله الواسعة. وأنت تقرأ الرواية تحس بتلك المعاني الإيمانية التي عرف المفكر بن نبي كيف يوظفها بطريقة روائية لم يستعملها قط، بل إنه لم يستعمل أبدا في كتاباته الأسلوب القصصي عدا مذكرات شاهد على القرن.
رواية لبيك حج الفقراء تحكي حج الضعفاء إلى الله المؤمنين التواقين لرؤية قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، والدعاء عنده، فبين إبراهيم الرجل السكير وفي لحظة من لحظات عربدته حيث شاهد العبارة الناقلة للحجاج ترفو بميناء عنابة أبى إلا أن يزور بيت الله ويغير حياته الباسة تلك، وبين هادي الطفل الفقير من لحظة حديثه مع أصحابه المشردين أمثاله حول إمكانية ذهاب الفقراء إلى الحج، راهنهم فيها على أنه يستطيع حج بيت الله، هناك ما يجمعهما وهو ذلك الإيمان القوي بالله، وتلك الرغبة الشديدة لرؤية بيته الحرام وقبر رسوله الكريم. وفعلا كان ذلك وأصبحا صديقين.
في الرواية نجد تجسيدا لبعض الشخصيات المسلمة، زهرة هي مثال الزوجة الجزائرية والمسلمة عموما، تلك المطيعة لزوجها والمحبة له ، الوفية حتى لو كان سكيرا كحال إبراهيم، إلا أنها تريد له الصلاح والخير دائما، كما أنها مثال المرأة المغلوب على أمرها أمام زوجها، ومع ذلك ظلت متمسكة بوفائها له ولوالديه لأنهما كانا في يوم من الأيام أفضل سكن لها.
أما عمي محمد وزوجته وجيران إبراهيم جميعا فيمثلون حب المجتمع الجزائري للفرد المحترم، الذي يعيش محافظا على أخلاقه ودينه، وهو ما يلاحظ من تعاملهم مع إبراهيم أثناء عربداته، ونقارن تلك الأيام بيوم واحد فقط حين تاب وأحب الذهاب إلى الحج كيف تعاملوا معه باهتمام وحب كبيرين.
معان كثيرة أخرى تحملها الرواية تعبر عن الروح المسلمة، مثل الغيرة على الدين ولو من سكير في أحد المواقف بمدينة بونة، والغيرة عليه أثناء الحديث مع من هم من غير أهل الإسلام في موقف آخر في العبارة، كما يبرز مالك بن نبي أيضا ذلك الصراع بين الحضارات في حوار قصير بين حاج مثقف وبحار أراد أن يتطفل على الحجاج ليعرف ما يشعروا به.
كما أنه في الرسالة الأخيرة التي بعث بها إبراهيم لعمي محمد امتلأت بالمشاعر الطاهرة للنفس المؤمنة، هذا هو إبراهيم الذي كان سكيرا، ولكنه اليوم تاب ولا بد من التغيير في حياته، حتى يستطيع أن يتغير بحق فقد قام بالهجرة إلى المدينة المنورة، لتحمل الرواية بذلك أيضا واحدة من أسس التغيير..
في الأخير ليس لي ما أقوله سوى كلمة “عمر مسقاوي” في تصدير الكتاب حيث يقول: “الظاهرة القرآنية هي مطالع الأفق، ولبيك هي زاد المسار.” فحتى نصل إلى النهضة ينبغي العمل بشروطها، وهو ما يمكن أن نبدأ غرسه من خلال رواية نغرسها في الجيل القادم حتى يعرف إلى أي هدف سيصل.

9 thoughts on “لبيك، حج الفقراء. مالك بن نبي

  1. تنبيه: لبيك، حج الفقراء. مالك بن نبي

  2. تنبيه: لبيك، حج الفقراء. مالك بن نبي

  3. لقد اراد مالك من خلال هذا الكتاب ان يبين حقيقة المجتمع الجزائري اللذي يحاول الكثيرين تشويه صورته الجميلة ذاك المجتمع اللذي لا يزال يحارب كل يد تتسلل اليه لتزعزع كيانه . و هو من خلال شخصبة السكير ذاك يريد ان يوصل لنا رسالة يقول فيها : ان الفرد الجزائري المسلم مهما تاه و ضاع و عبث في حياته ما عبث فمرجوعه في الأخير الى الطريق الصحيح .اهنئك قادة لقد وفقت الى حد بعيد في اعطاء هذا الملخص الشامل .و فقك الله و رعاك.

    أعجبني

  4. صراحة لم اسمع بهاته الرواية ولم اكن اعرف ان مالك بن نبي قد جرب فن الرواية ..صراحة اتمنى الاطلاع عليها و الغوص فيها .
    هل من الممكن ان اعرف اسم المكتبه او مكانها اذا كانت في سيدي بلعباس لاني صراحة اعاني من نقص الكتب في هذه المدينة ؟
    شكرا على الملخص الرائع للرواية

    أعجبني

    • القليلون فقط من يعرفون ان مالك بن نبي كتب رواية، لا اعرف ان كانت في اي مكتبة من مكتبات سيدي بلعباس لكن بامكانك البحث في مكتبة العباسيين او ان تطلبيها منهم.

      أعجبني

  5. تنبيه: مالك بن نبي روائيا في "لبيك حج الفقراء" - الجزائر تقرأ

  6. تنبيه: لبيك حج الفقراء .. الرواية الوحيدة للمفكر العظيم مالك بن نبي - الجزائر تقرأ

  7. تنبيه: لبيك حج الفقراء .. الرواية الوحيدة للمفكر العظيم مالك بن نبي – تغيير

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s